Originality Movement T. Nazmi

Friday, November 24, 2017

Books

جديد المقالات AITF 16 مهرجان أيام عمان السادس عشرAITF 16 مهرجان أيام عمان السادس عشر

'عود الند' تحتفي بالروائي الجزائري الطاهر وطار

5/14/2010

لندن ـ ' القدس العربي' صدر عدد جديد، 47، من مجلة ' عود الند' الثقافية التي يترأس تحريرها عدلي الهواري، الباحث في جامعة وستمنستر في لندن، متوجا أربع سنوات من الصدور بملف يحتفي بالروائي الجزائري، الطاهر وطار، بمناسبة تكريمه في الجزائر الشهر الماضي بعد عودته من رحلة علاج. يضم الملف الذي أعدته الكاتبة أميمة أحمد تقريرا عن حفلي التكريم في الجزائر، وصورا خاصة بـ ' عود الند' من الحفلين، ومقطعا من رواية ' اللاز'.وجاء في التقرير أن الروائي المعروف بـ ' عمي الطاهر' تحدث لمعدّة الملف عن دور المثقف، وقال: ' كان المثقف في الخمسينيات والستينيات في طليعة النضال لأجل الوطن والشعب لدرجة حمل السلاح في ثورة التحرير، وفي السبعينيات يقاوم القمع ويدخل السجن، وفي الثمانينيات يقترب من السلطة ويرهن نفسه. لكن في التسعينيات صار القتل جزاء من يخالف. ومع بداية الألفية الثالثة فضل المثقف أن يبيع نفسه للسلطة'.في العدد أيضا أربعة أبحاث، أحدها للناقد الأردني، د. عماد الخطيب، حلل فيها قصة بعنوان ' لن يصدقه أحد'، للقاص محمود الريماوي. وختم البحث بقوله: ' النتيجة العامة التي أفهمها من هذا السرد: هل الحروق لا تكفي لإثبات وجود الغجر؟ النار؟ رمي الطفل بالنار؟ إنهم لا يريدون إثباتا على أن الوطن وطننا، لأنهم لن يصدقوا أحدا. لن يصدق أحد ما نريد إثباته، فالقاص/الشاعر حيران، وأريحا ما زالت تنتظر في فلسطين من يرسم لها الحقيقة'. (القصة منشورة مع التحليل).في بحث آخر، تناول الشاعر عصام ترشحاني البنية الجمالية في شعر محمود درويش، وخلص إلى القول: ' تُوّج درويش بأثر رجعي عند وفاته سيداً للشعراء العرب محققاً المعادلة المستحيلة بين الشعر الحداثي والتّلقي الجمالي الجماهيري'. وفي البحثين الآخرين، كان أديبان كفيفان هما طه حسين وعبد الله البردوني موضوعين لبحثين لكل من عبد محمد يوسف وعبد الله محمد، وهما مرشحان للدكتوراه في جامعة جواهر لال نهرو في الهند. وفي باب نصوص نجد ثلاثة نصوص لكل من عبد الرحمن سعد (السودان) وإبراهيم يوسف (لبنان) وآلاء محمد كامل (الأردن) ورجاء الهواري (السعودية). ونوه العدد بصدور ديوان للشاعر العراقي نزار الجبوري بعنوان ' الموت والميلاد'. وتتصدر الغلاف لوحة للفنان التشكيلي الليبي عادل فورتية.

عنوان موقع المجلة: www.oudnad.net .

المؤرخ الاسرائيلي بيني موريس: احتمالات بقاء اسرائيل ضئيلة لانّ العالم العربي بمساندة العالم الاسلامي يزداد قوة ومن الممكن ان يكون لديهم سلاح نووي

زهير اندراوس:

5/27/2010

الناصرة ـ 'القدس العربي' في كتابه الجديد '1948 ـ تاريخ الحرب العربية الاسرائيلية الاولى' يكشف المؤرخ الاسرائيلي بيني موري من خلال بحث وصف بانه واسع النطاق، عن وثائق تؤكد ان مندوبين في الامم المتحدة حصلوا على رشاوى من اجل التصويت الى جانب قرار التقسيم في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) 1947.ويحاول المؤرخ الاسرائيلي، البروفسور بيني موريس ان يجعل الصراع العربي ـ الاسرائيلي صراعا دينيا، حيث يدعي ان ما اعتبر حتى الان انه صراع جغرافي بين مجموعتين قوميتين،هو صراع سياسي ذو طابع عسكري، يجب ان ينظر اليه على انه حرب جهاد.ويجيب موريس في مقابلة مع صحيفة 'يديعوت احرونوت' ان الحرب (عام 1948) كانت ذات طابع ديني، بالنسبة للعرب على الاقل، وان العنصر المركزي فيها هو دافع الجهاد، الى جانب دوافع اخرى سياسية وغيرها. وبحسبه فان الاهم بالنسبة للعرب هو عنصر الكفار الذين سيطروا على ارض اسلامية مقدسة، ويجب اقتلاعهم منها، وان الغالبية الساحقة في العالم العربي رأت في الحرب حربا مقدسة اولا.ويستند موريس في ادعائه هذا الى وثيقة بريطانية بشأن فتوى لعلماء الازهر، والتي تتضمن، بحسبه، الدعوة الى الجهاد العالمي، موجهة لكل مسلم، بالتجند الى الحرب المقدسة، واعادة فلسطين الى حضن الاسلام وابادة الصهيونية. ويقول موريس ايضا انه يجد صعوبة في عدم انتباه المؤرخين لذلك، وفي الوقت نفسه يفترض انه ربما يكون قد اولى هذه الوثيقة اهمية اكبر ما تستحق، خاصة واننا نعيش في عصر يوجد فيه الجهاد على الطاولة.. هذا صراع بين عالم ظلامي اسلامي وعالم متنور.. وانا اعتقد انه في العام 48 كانت جولة الجهاد الاولى في العصر الحديث، على حد تعبيره. واستنادا الى نظريته تلك، يصل موريس الى نتيجة مفادها ان الحديث هو عن امور مطلقة، بمعنى انها لا تحتمل الصلح، مضيفا، على سبيل المثال انه لن يكون هناك صلح بين حماس واسرائيل، قد تحصل تسويات تكتيكية، ولكنها ليست اساسية، فهم لن يتقبلونا، لان الارض بالنسبة لهم اسلامية، وان الله امرهم بتدميرنا، وهذا ما يتوجب عليهم فعله، وزاد المؤرخ الاسرائيلي قائلا انّه في العام 48 كان الفهم الاسرائيلي التلقائي بان جميع العرب قرويون سذج لا يفقهون شيئا، وهذا غباء.. مثلما حصل في العام 2006 عندما صوتوا لحركة حماس، عندها قال الاسرائيليون ان السبب يعود الى قيام حماس بتوزيع الهدايا والحليب مجانا، ولكن هذا خطأ ايضا، فهم يعرفون لمن هم يصوتون، مثلما كان يعرف العرب في العام 48.. الدين بالنسبة لهم مهم جدا، وابادة الصهيونية مهمة جدا.وردا على سؤال حول اتفاقيتي السلام مع مصر والاردن، يجيب بان هناك سلاما باردا، العالم العربي لم يتعايش مع هذا السلام، ولا مع وجود اسرائيل، والعنصر الديني في الصراع يتصاعد مع مرور السنوات، وهو قائم ايضا لدى جماهير واسعة من الجانب اليهودي. ولا يغفل موريس التأكيد على ان ما يسميها بـ'حرب الاستقلال' هي حرب وجود ودفاع عادلة.وبحسبه فان الجرائم التي ارتكبها الجنود الاسرائيليون عام 48 تفوق تلك التي ارتكبت في حروب اخرى. ويقول: كان هناك كثيرون ممن تركوا غرائزهم تتحكم بهم.. بعضهم جاء من معسكرات الابادة في اوروبا مصابين بعدواها، وسعوا للانتقام من الاغيار، بعضهم حارب سنة كاملة لان العرب اجبروهم على القتال، بعضهم اراد الانتقام لمقتل اصدقاء لهم.. لكل شعب هناك نقاط سوداء في تاريخه، والاعمال الظلامية التي وقعت في هذه الحرب هي نقطة سوداء في تاريخنا يجب استخلاص العبر منها. وردا على سؤال بشأن تخصيص الكاتب جزءا واسعا من الكتاب لمجزرة دير ياسين، يقول موريس انه بالنسبة لليهود فان اهم ما حصل في دير ياسين هو انها كانت المسرّع لهروب العرب من البلاد. ويضيف ان العرب تحدثوا عن دير ياسين في البث الاذاعي وجرى تضخيم المجزرة التي وقعت، ما دفع سكان حيفا ويافا الى الاعتقاد بان (الايتسيل) قادمون لارتكاب مجزرة مماثلة. اما بالنسبة للعرب فان دير ياسين تمثل ما حصل عام 48، وتمثل الشر اليهودي. ويضيف ان دير ياسين لم تكن المجزرة الوحيدة، حيث وقعت اعمال قتل كثيرة، مثل اللد حيث قتل 250 شخصا غالبيتهم لم يكونوا مقاتلين، وقتلوا اسرى في داخل المسجد. كما وقعت مجزرة اخرى في يافا يكشف عنها الكتاب. وبحسبه فانه بعد سيطرة 'الهاغاناه' على يافا تم العثور على 12 جثة، عثر في ثياب اصحابها على بطاقات هوية شخصية اسرائيلية، الامر الذي يؤكد ان المجزرة وقعت بعد سيطرة 'الهاغاناه' على المدينة وتوزيع البطاقات الزرقاء على من تبقى من السكان.ويختتم الكتاب بقوله: كان هناك انتصار في العام 48، ولكن ذلك لا يضمن بقاء دولة اسرائيل. فقيام الدولة في العام 48 اثار ردود فعل رافضة في وسط العرب وغريزة شديدة للانتقام. العالم العربي يرفض تقبل وجودنا. وحتى لو تم التوقيع على اتفاقيات سلام، فان رجل الشارع والمثقف والجندي يرفضون الاعتراف باسرائيل. واذا لم يكن هناك حل سلمي بين الشعبين، فان النهاية ستكون مأساوية لواحد منهما. ويخلص في نهاية المقابلة الى القول انّه من الصعب ان تكون لديه اسباب للتفاؤل بشأن احتمالات اسرائيل، حيث ان العالم العربي، وبمساندة العالم الاسلامي، يزداد قوة ومن الممكن ان يكون لديهم سلاح نووي. كما انه لا يوجد في الافق ما يشير الى احتمال التوصل الى تسوية في السنوات الخمسين القادمة، وحتى يحصل ذلك يجب اضعاف العالم العربي، الامر الذي لن يحصل الا بعد نضوب النفط، والذي لن يكون قبل 50 ـ 100 عام.

بهيج خليف في رواية بالانكليزية عن حب فلسطيني يهودي في امريكا!

novel-pal-jew.jpg

حسام الدين محمد

5/28/2010

هل ينهي الفلسطيني شتاته في منزل يهودي؟هذا السؤال الغريب يلخص الحيرة التي وجد بطل الرواية نفسه فيها، كما يلخص المعضلة التي تفتح الرواية مصراعيها لاستكشافها.بعد طلاقه من زوجته الأمريكية (كريستينا)، ينتقل سمير، الفلسطيني المسيحي من الناصرة والمهاجر الى امريكا، الى منزل زوجين يهوديين بعد دعوة من سام، صاحب المطعم الذي يعمل عنده. تصدم الفكرة سمير في البداية ويحللها بشكل رمزي: هل ينهي الفلسطيني شتاته في منزل يهودي؟سمير، راوي الرواية، لا يحب الانتقال من مكان لآخر، فيما يعتبر سام الأمر قضية عادية، وهو ما يضعنا منذ البداية في مقارنة ليس بين فردين فقط بل بين موقفين يمكن سحبهما على القضية الاساسية التي نبع منها صراع لا يفتأ يتجدد بأشكال لا نهائية. تتركز المقارنة اذن على حالة الفلسطيني المضطر الى ترك ارضه والانتقال الى مكان آخر، ودعوة اليهودي له للاقامة في بيته مما يخلق مفارقة حادة يستعيد فيها الفلسطيني احساسه المتكرر بأن اليهودي الغريب قام بسلبه بيته وطرده منه.وجود سمير في منزل واحد مع ميريام وسام سيؤدي الى خلق علاقة فريدة بين هذا الثلاثي، والى انتقالات اخرى مفاجئة في العواطف والمفاهيم، وتبادلات غريبة تدخل فيها عناصر الثقافة والأكل والدين والسياسة والحب والجنس.تستعيد بعض الشخصيات في الرواية ما يمكن اعتباره قوالب عاطفية لهوياتها، كما تمثلها مثلا اراء سام: ('انت عاطفي وهذا ليس جيدا للبزنس'، 'اليهود ليسوا في بزنس الانتقال الى دين آخر. ذلك، ببساطة، ليس مربحا') وكما في آراء رياض صديق سمير (يشرب في حضور سام وابنته ايستير في صحة 'فلسطين مستقلة' ويرد سام ضاحكا بان حلم رياض هو كابوس صهيوني) لكن كل الدائرين في فلك الرواية يتنقلون بشكل غير متوقع من مواقع الهوية والنمط الاعتيادي الى مواقع جديدة تقلقهم، من جهة، لأنها تبعدهم عن مكانهم الذي اعتادوا عليه، وتنير امامهم امكانيات لفهم الآخر وفهم انفسهم اكثر، من جهة ثانية.تربك سمير آثار انتقاله (بالمعنيين المكاني والنفسي)، مما يضعه على مدار الرواية امام اسئلة فكرية عميقة، حول هويته وهوية الآخر، كما يضعه في حالة من الانزياحات غير المتوقعة. في اللحظة الاولى لتواجده في غرفة 'ايستير' التي سكن فيها يجد سمير الموسوعة اليهودية على الرف، فيضع بجانبها - كما لو كانت حركة لوقف الانزلاق او الانزياح - كتاب 'المسألة الفلسطينية' لادوارد سعيد كما انه يهدي سام نسخة من الانجيل. وفي مكان آخر من الرواية يستمع لشكوى والد ميريام من موقف ابنه السلبي من اسرائيل ثم يعتذر منه قائلا: 'آسف سمير، انا دائما احس انك واحد منا'!الرواية مروية من وجهة نظر سمير، وهي اشكالية تمنعنا من دخول المغامرة النفسية والعاطفية التي يعيشها الآخرون معه، وهو ما كان سيمكننا من اكتشاف ما يشبه حالته النفسية والفكرية عند بقية الشخصيات، وخصوصا سام، ولعلنا قادرون على استشفاف هذا من تفاصيل مهمشة وزوايا ظليلة في حركات الشخصيات واقوالها.

تل ابيب الصغيرة

تبدأ الحكاية اذن من التبادل البسيط للمنافع والثقة الاولى التي تتركب عليها نتائج هائلة: سمير يقيم في مدينة صغيرة مليئة باليهود الى درجة انها تسمى 'تل ابيب الصغيرة'. يطلب العمل في مطعم 'الواحة' فيقبل صاحبه اليهودي تسليم مطعمه الى فلسطيني. يحتاج سمير الى بيت بعد طلاقه فيعرض سام عليه الاقامة في غرفة اعتادت ابنته الاقامة فيها. وفي لحظة حاجة انسانية تتعاطف معها زوجة سام تأخذ علاقة ميريام بسمير منحى جنسيا ويتطور الامر الى علاقة عاطفية.بعد انتقاله، وانطلاقا من توجس متبادل بينها وبين ميريام، ترفع طليقة سمير الامريكية تحديا في وجهه: ماذا تقول لأصدقائك الفلسطينيين وهل تستطيع ان تقول انك تقيم في بيت يهودي؟ يقبل سمير التحدي فيلتقي في مكان اقامته بصديقه الحاد الطبع رياض والذي يؤنبه على هذا القرار (ونتابع تأنيبه له على كل شيء عبر الرواية)، ولكنه لا يلبث بعد لقائه بايستير ابنة سام، وخلافاته الحادة مع افكارها... يرتبطان بعلاقة جنسية هما ايضا.هذه الاحداث التي تتوالد من التفاعل الانساني البسيط تنتج فكرة اولية بسيطة: الانسان وحاجاته الانسانية والعاطفية اقدم واقوى من النزاعات السياسية والدينية.تحدث الطفرة وتؤدي شرارة العاطفة الى علاقة، غير ان نهاية الرواية تحمل نهاية هذا الاجتياز، فما السبب؟بالنسبة لسام تبدو العلاقة الثلاثية منطقية ويمكن ان تستمر، لأنها قائمة على نفعية متبادلة بين اطرافها: سمير يساعد سام في ادارة المطعم ويقبض راتبا مجزيا، كما يقوم بدور ملطف في بيته يمنع العطب الذي يمكن ان يتفاقم بينه وبين زوجته ميريام، وميريام يمكن ان تقبل بوضعية سمير كما هي، العاشق البديل الذي يملأ الفراغ العاطفي الذي يتركه سام في بيته كما يملأ الفراغ العملي الذي يتركه في مطعمه، وسمير يخرج من ازمته النفسية مع زوجته ويجد اصدقاء جددا من محيط سام واهل ميريام.مغامرة الرواية يشترك فيها كل الاطراف، كل من مكانه الخاص، لكنها كما بدأت بألم الانفصال عن كريستينا، تنتهي ايضا بالألم وبالانفصال عن طرفي العلاقة الجديدة: سام وميريام.

رائحة البن جغرافيا

في زهوة العلاقات بين اطراف الرواية يمكن للذكريات القاسية عن صراع على ارض بعيدة ان تتراجع الى الخلف، فيما تتقدم الذكريات الجميلة حاملة من ذاك المكان البعيد روائح خضاره وفواكهه وازهاره وتقاليد سكانه في الزواج والرقص والغناء والبكاء.. في حركة نواسية تتردد عبر ردهات الرواية.في جولة مع ميريام الى بقالية عربية يقدم سمير لها المأكولات العربية، فينتقل من البقلاوة الى مآكل الأعراس، الحلويات، اللوز الملبس بالسكر، راحة الحلقوم مع القهوة، ضربات الدربكة ورقص النساء على الموسيقى. يمسك سمير برغيف خبز ويشرح لها ذاكرة الملمس 'يجب ان يكون طريا، وان ينفتح شطرين، فتملأيه بالمربى المصنوع في البيت، من المشمش او التوت، او مع العجة بنعنع طازج - او مع طحينة وخس طري'، وبعد تأمل مشغوف بالطعام وروائحه ومذاقاته تقول ميريام: 'انت لا تريني بقالية يا سمير، انت تريني ماضيك، وانا احب ذلك'.يتكرر هذا الحنين النوستالجي الذي تتداخل فيه الذكريات والحكايات والروائح والمذاقات على مدار الرواية في لحظات الألم والفراق كما في لحظات المتعة والحب، كما لو كان تعويذة تحمي البطل من المآسي وتفتح له الطرق الى القلوب المغلقة.

الحنين جزء من خط عمودي في الرواية يقوم دائما بعقد مقارنات بين عالمين فينسرح خيط المقارنات من السياسة (الهولوكوست اليهودي والهولوكوست الفلسطيني) الى العلاقات الاجتماعية (الزواج والطلاق) والتعاطي مع الدين حيث نشهد تلك التعارضات الغريبة بين المسيحيتين الشرقية والامريكية، وكذلك في نظرة سام للدين (يقول سام لسمير: 'بالنسبة لي الله قد مات من زمان بعيد (...) يجب ان تعتبروا ان الله قد مات بعد عام 1948 عندما طرد شعبك من فلسطين')، وصولا الى قضايا الجنس والحب والحياة.

سام

رغم ان سمير هو راوي الحكاية، فان الرواية تقدم سام في دور المحرك الأساسي للتفاعلات فيها، فهو من يبادر باعطاء وظيفة لسمير في مطعمه، ثم يدعوه الى بيته، ويترك، قاصدا ام غير قاصد، له زمانا ومكانا كافيين ليتفاعل مع ميريام، كما يشجع رياض، على الارتباط مع ابنته ايستير.شخصية سام هي اكثر الشخصيات اثارة للدهشة، فهذا الشخص الذي يقوم احيانا باستقبال مجموعة من الرسميين الاسرائيليين و'تسليتهم'، هو نفسه الذي يعتبر سمير اقرب الاصدقاء الى نفسه ويخبره بأسراره ويأتمنه على مطعمه وبيته وزوجته. سام شخصية روائية هائلة وتعبير عن قدرة هائلة على الحياة والمرور بين تناقضاتها: لا يؤمن بالله ويسخر من اليهود ويخون زوجته مع عدد من النساء ويوظف فلسطينيا ويسكنه بيته، ثم يشجع فلسطينيا آخر شديد الصراحة في عدائه لاسرائيل على العلاقة مع ابنته.شخصية سام الأكبر من الحياة، كما يقول التعبير الانكليزي، تبدو، هي الحافز الأساسي لأحداث الرواية، وسمير، كما كان الشعب الفلسطيني لعقود، يبدو وكأنه الفاعل السلبي في الأحداث وهو ما يتبدى من عنوان الرواية نفسها، فسام يأخذ موضعا اوليا تليه مريم اما سمير فيحضر دون تسمية بل بضمير المخاطب 'انا'. للشخصين الأولين اسمين معرفين يحملان ثقل التاريخ والهوية اما ضمير المخاطب 'انا' فرغم تأكيدها على الأنوية والحضور لكنها تخفي الاسم الذي يمكن ان يعطي معنى وتاريخا للضمير. كيف نقرأ هذا الاختباء وهل هو تأكيد مستتر على الوجود من المكان الاضعف؟سام شخصية مليئة بالحياة والشهوة لها بكل اشكالها، في الجنس والطعام والعلاقات والسياسة، وهو يطبع الجميع بطابعه، من سمير وميريام وابنته ايستير، مرورا بعائلة ميريام ووصولا الى عشيقاته من زبائن المطعم.يقول سام لسمير قولا محيرا: 'سيقتلني الجنس يوما ما. انا مثل رياض'. تشبيه سام لنفسه برياض المتعصب لفلسطينيته وربطه هذا التشبيه بامكانية الموت بالجنس يقول فيما يقوله ان هناك علاقة ما بين التعصب السياسي وهذا الجوع الجنسي الذي يجتاز المحرمات سياسية او اخلاقية ويطوعها لصالحه.لماذا يعتبر سام نفسه شبيها برياض وكيف نقرأ هذا التشبيه؟الاشارة الى الجنس في القول تعني ان الرجلين براغماتيين في هذا الموضوع، فرياض المتشدد سياسيا يعتبر علاقته باليهودية ايستير التي تواجهه في لقائهما الاول مواجهة ساخنة، علاقة نفعية خالصة، ربما يأتي أصلها من فكرة السبيّة التي يغنمها الجندي في الحرب، كما ان سام يقول عن الأكل والنساء: 'انهما طعام، ليسا بعيدين عن الاستخدام نفسه'، كما يخبر سمير: 'ميريام ثمينة جدا بالنسبة لي، لكنني ما زلت بحاجة لنساء أخريات'.يغرينا انغماس سام في حياته الشهوانية بتشبيهه بانسان بدائي لكن الحقيقة انه مدجج بخبرة بشرية هائلة تصبح فيها الايديولوجيات والاديان تفاصيل مضحكة احيانا تضفي زركشة على حاجة البشري لتلبس هوية، وهي احيانا اخرى تفاصيل مؤلمة تعيد الانسان الى النزاعات التي هو فيها جلاد بذاكرة ضحية.قد لا يعتبر سام شخصية تمثيلية لليهودي الامريكي، على ضوء صهيونيته التي تقبل بتشغيل فلسطيني في مطعمه، ليس ذل فحسب بل كذلك تشجيعه ابنته على الارتباط بفلسطيني متعاطف مع منظمة التحرير، وخروجه عن القوالب التنميطية تدخله في شخصية انسانية معقدة، تعكس رغما عنها، انغلاق اليهودي وانفتاحه، براغماتيته وجموده، وفي النهاية قلقه العميق من شرطه الانساني وهويته كيهودي.

ميريام

يجمع القلق الوجودي كلا من سام وسمير، فيما تأخذ ميريام دورا وسيطا ومتوازنا بين الطرفين. يعيش هذا التوازن الحرج لهذا الثلاثي الغريب لفترة ينعم خلالها الجميع بالسعادة، ورغم انها سعادة ملغومة ومركبة على تاريخ من الألم ونزاع الهويات والذاكرة المجروحة، فان ما يفكك التوازن فيها لا يبدو مرتبطا بالايديولوجيات والتاريخ بقدر ارتباطه بالشخصي والانساني، مما نجده في قصص وعلاقات الحب في كل مكان وزمان.تقارب ميريام من سمير يبدو طبيعيا، فهي الزوجة الثانية لسام الذي لا يحاول اخفاء علاقاته مع نساء اخريات غيرها، ولا يبدو منزعجا من امكانية علاقة جنسية لها بشخص آخر اذا كان ذلك سيحافظ على زواجهما.شخصية ميريام ليست بالتعقيد الذي عليه شخصية سام، لكنها ليست امرأة سطحية، وهي قادرة على استيعاب سمير وسام معا، وقرارها بالابتعاد عن سمير جاء في الوقت الذي كان فيه سمير يتجه بالاتجاه نفسه، لكنها بالأحرى تربطه، كما ترتبط اغلب الاحداث في الرواية، بسام.ادعاء ميريام ان سام يريد طفلا، بعد ان كان طوال الرواية يرفض ان تلد طفلا له، يعطي غموضا على حدث ابتعادها عن سمير، ورغم ان الراوي، سمير، لا يناقش هذا الامر كثيرا، فان القارئ لا بد ان يتجه الى استغراب هذا الأمر. لا يخطر لسمير مثلا ان تكون ميريام حاملا منه، وان خلافها مع سام، وابتعادها عن سمير، في الآن نفسه، هو لهذا السبب.

سمير

يقدم الكاتب راوي الرواية سمير، بشخصية لطيفة ومؤثرة وشاعرية، لكن ضمير الأنا يتواطأ مع الراوي مخفيا سلبياته ومضيئا على ايجابياته. ليس سمير بالبساطة التي يبدو عليها، وحوارات الرواية تدل على مكر وذكاء مموهين بطيبة ولطافة محببين (وخادعين احيانا).رغم ان سمير هو مركز الرواية فانه، كما لاحظنا، يضع نفسه في الظل والهامش: هو الشخص الثاني في المطعم، وهو الشخص الوسيط بين الزوجين في البيت، وهو يتقبل انتقادات الجميع او اقتراحاتهم لما يعتقدونها شخصيته، فهو لا يبدي انزعاجا مثلا عندما يعامله والد مارتن كأنه اسرائيلي شاكيا له موقف ابنه السياسي الناقد لاسرائيل، ولا يحتدّ عندما يهاجمه رياض سياسيا واجتماعيا، وهو يتقبل خطابات الجميع، من واعظيه بالمسيحية وهو المسيحي القادم من الناصرة، الى محاضريه في الوطنية او في آلام اليهود الخ.لكن اقتراحنا نحن مختلف عن اقتراح الراوي لنفسه فالقرار بالعمل عند سام كان أساسا قرار سمير، وبالتالي فان موافقة سام كانت نتيجة وليست سببا، كما ان العلاقة مع ميريام تبدو منسوجة بدهاء لطيف، ففي واحدة من اولى الحوارات التي نحضرها بين سمير وميريام، والتي يتحدث فيها عن دورة الكتابة الابداعية ينتقي سمير خيطا مثيرا: 'الرجال صاروا مواضيع جنسية، النرد قد انقلب،' ويتابع: 'فتاتان كتبتا عن العلاقات التي لم تتجاوز الاستغلال الجنسي المحض' محتجا على انعدام الروحانية في كتابات النساء، وتعلق ميريام 'على الأقل فان الخيالات الجنسية للنساء وجدت تعبيرا لها'.وفي حوار لاحق يلعب سمير، ولكن بطريقة يرويها كأنه لا يدري ذلك، على دلالات جنسية، مشبها النشوة بتقشير حبة التين وارتشاف جسدها الطري.يتبع ذلك 'تبصير' سمير لميريام يرى خلاله صورة زوجته السابقة كريستينا في حدس بالتوتر الجنسي المكبوت بينه وبين ميريام وفي استبصار لنزاع بين صورتي المرأتين داخله، وتزيد لاحقا زيارة كريستينا لبيت ميريام هذا التوتر، فتنصحه كريستينا لاحقا بترك بيت ميريام، وحين يناجي سمير ميريام حول صعوبة فراقه لكريستينا، وهو خط مناسب للتعاطف معه تنصحه ميريام بدفن العلاقة معها.واذا كانت شهوانية سام واضحة ومعبر عنها بطلاقة فان شهوانية سمير تأخذ دائما شكلا ملطفا وماكرا، فحتى شرحه لملذات الطعام العربي يحمل داخله دلالات جنسية واضحة لا يمكن ان تخطئها امرأة بذكاء ميريام ومن ذلك هذا الوصف الشهواني للخبز 'عليك ان تتحسسيه باصابعك - يجب ان يكون طريا، يجب ان ينفتح. تملأينه بمربى من صنع البيت، مشمش او توت'.

تربيع الدائرة

تنتهي الرواية بحبكة اشكالية. تتوقف ميريام عن رؤية سمير كما انها تبتعد عن سام في الآن نفسه. تدعي ميريام ان سام غاضب لأنه يرغب في الانجاب منها، وهو عكس ما كان يحصل طوال الرواية، مما يترك فراغا يملأه القارئ بخياله: لماذا طرأت فكرة انجاب الطفل ان لم تكن ميريام حاملا، واذا كانت حاملا فهل يعقل الا يكون الطفل ابن سمير؟لا يبدو الراوي مشغولا بالتفكر في هذه المسألة مما يتركها غامضة ومفتوحة للتأويل، فيبدو انتهاء العلاقة طبيعيا كنتيجة لمغامرة فاشلة لمحاولة اختراق الهويات التاريخية المتصارعة.يترك الراوي اذن زاوية قاتمة للتأمل والتساؤل، فاذا كانت العلاقة اساسا خرق للمحظورات، فان انتهاءها سيشكل خرقا اكبر. تتكفل الحياة اذن بتربيع الدائرة المستحيلة للمصير الخانق الذي يخلقه صراع مجموعتين على المكان والزمان والتاريخ وحتى الاسم.تنتهي الرواية اذن بالألم والانفصال، ولا تنتهي بالوقت نفسه، لكننا خلال هذه الرحلة الأدبية الرائعة تعرضنا الحكاية الى ضوء حاد لا يكشف نهايات المصائر فحسب بل يواجهنا كبشر بالكثير من الألغاز ويماحك اكثر ارائنا السياسية والدينية والجنسية حدة وتعارضا.

مجموعة ضخمة جداً من الكتب العربية في مكتبة الكترونية قابلة للتحميل مجاناً

للاطلاع على قائمة بأسماء الكتاب والكتب المتوفرة للتنزيل مجاناً من شبكة الانترنت الرجاء... اضغط هنا

Chekov.jpg

هل تحقق الانترنت حلم عصر الأنوار؟ المكتبة الكونية: من فولتير إلى غوغل

روبير دارنتون

3/3/2010

هل يحقق الانترنت حلم عصر وفكر الأنوار من خلال تقديمه كمّاً من المعارف متزايدا باطراد لأكبر عدد من الناس؟ أم أنه يهيئ لكابوس تسليم معرفة عامة لجشع الخواص؟ بفضل محرك البحث غوغل، أو قل بسببه، لم يعد هذا النوع من الأسئلة ، موضوع تفكير مجرد؛ فخلال السنوات الأربع الأخيرة قام محرك البحث الشهير برقمنة ملايين المؤلفات المستقاة من ثروة كبرى المكتبات الجامعية ثم إطلاقها على الشبكة العالمية للمعلومات. اعتبر الناشرون والمؤلفون أن هذه العملية تشكل خرقا لحقوق التأليف والملكية الفكرية. وقد وصلت الأطراف بعد مفاوضات طويلة إلى اتفاق سيشكل ثورة في طرق وصول الكتب إلى القراء. وإذا كانت الحدود القانونية والاقتصادية للفضاء الجديد الذي يرسيه هذا الاتفاق التوفيقي تبقى غير واضحة المعالم، فإن غاية مديري المكتبات واضحة تمام الوضوح: فتح أبواب مصنفاتهم وجعلها رهن إشارة كل قارئ في أي مكان كان. مشروع بسيط في ظاهر الأمر، لكن تعوقه باستمرار الإكراهات الاجتماعية والمصالح الاقتصادية؛ تماما كما كان أمر مشروع الجمهورية العالمية للآداب قبل قرنين من الزمن.كان القرن الثامن عشر وقرن الأنوار يعلن على الملأ ثقة كاملة مطلقة في عالم الكتب الذي كان يسميه أصحاب موسوعة الأنوار جمهورية الآداب؛ وهي بلاد بلا شرطة ولا حدود ولا تفاوتات ولا فوارق غير تلك التي تنتج عن المواهب والكفايات. يمكن لأي كان الإقامة في هذه البلاد ليمارس أحد صفتي المواطنة: القراءة والكتابة. وللكتاب أن يعبروا عن أفكارهم ويصوغونها وللقراء تقييم قوة بناها وأسسها. كانت الحجج التي تستفيد من سطوة الكلمة المطبوعة تنتشر صمن حلقات مشتركة المركز ووحدها تلك الأكثر إقناعا كانت تنتصر.خلال هذا العصر الذهبي للمكتوب، كان تداول الكلمات يمر كذلك عن طريق الرسائل؛ فعند تصفحنا للمراسلات الضخمة لفولتير أو جان جاك روسو أو بنيامين فرانكلين أو توماس جيفرسون ـ أي ما يعادل خمسين مجلدا لكل واحد منهم - فإننا نغوص في قلب جمهورية الآداب تلك. كان الكتاب الأربعة يتناقشون حول مواضيع حاسمة ومهيمنة في عصرهم من خلال مد جارف لا ينقطع من الرسائل يربط بين أوروبا وأمريكا مقدما من ذلك الوقت كل خصائص شبكة معلومات عابرة للمحيطات.إنني أميل هنا بالخصوص إلى المراسلة بين جيفرسون (1743- 1826) وطوماس أديسون(1751- 1836)؛ فهما يحبان الحديث في كل شيء، وخصوصا عن الدستور الأمريكي قيد الكتابة آنذاك الذي ساعد أديسون في إنجازه بفيلاديلفيا في الوقت الذي كان جيفرسون يمثل الجمهورية الفتية في باريس. كانا يتحدثان كذلك عن الكتب؛ لأن الأخير كان يحب التجوال بين مكتبات باريس وغالبا ما يقتني لصديقه بعض الكتب. كانت ' موسوعة' دينيس ديدرو من بين مشترياته؛ اعتقد أنه قام باقتناء مهم؛ لكن الأمر اختلط عليه بين طبعة مزيفة والسحب الأصلي.يتعلق الأمر هنا بشخصين سيصيران لاحقا رئيسين للولايات المتحدة الأمريكية ويتحدثان عن الكتاب عبر شبكة معلومات عصر الأنوار: مبهرة هي الصورة. لكن قبل الخوض في هذا البحر، من المهم جدا أن نسجل أن جمهورية الآداب لم تكن ديمقراطية إلا من حيث مبادئها. فقد كانت قي حقيقة الأمر ملكا للأغنياء والنبلاء في ظل عدم تمكن أغلب الكتاب من ضمان عيشهم من خلال أقلامهم، وكانوا يجدون أنفسهم مجبرين على مغازلة ومداهنة الأقوياء والتماس ذوي المناصب السامية وتسول منصب في جريدة تديرها الدولة، واعتماد الحيلة في وجه سلطة الرقابة وشق طريق بين الصالونات والأكاديميات، أي حيث تصنع الشهرة والصيت وحيث تنتهيان. ولما كانوا عاجزين عن مغالطة ومقاومة أصناف الإهانة التي يكيلها لهم حماتهم، كان هؤلاء الكتاب يأخذون بخناق بعضهم البعض كما يبرز ذلك في خصام فولتير وروسو. فبعد أن قرأ فولتير كتاب روسو ' بحث في منشأ وأسس التفاوت بين الناس'، أرسل إليه خطابا يقول فيه: ' لقد وصلني كتابكم الجديد ( ضد الجنس البشري)... لم يبدل أحد قط كل هذا الجهد في الفكر ليجعل منا دوابا وإن المرء لتأخذه رغبة في المشي على أربع عند قراءة مؤلفكم'.. بعد خمس سنوات سيجيبه روسو: ' سيدي، أمقتك'.كانت الاختلافات الاجتماعية تفاقم الخلافات الشخصية، فكانت جمهورية الآداب ابعد من أن تشتغل كفضاء عام قائم على المساواة بين الناس بل تعاني من مرض كان ينخر كل المجتمعات خلال القرن الثامن عشر: مرض الامتيازات التي لم تقتصر على عوالم النبلاء والارستقراطيين بل كانت تشمل في فرنسا عالم الفكر، وخصوصا الطابعون وأصحاب المكتبات الذين كانت تهيمن عليهم هيئات في وضعية احتكار، كما تشمل كذلك عالم الكتب التي لم يكن لها أن تصدر إلا بعد موافقة الملك وقبول الرقابة.يمكننا تحليل هذا النظام من خلال الرجوع إلى علم اجتماع المعرفة وبالخصوص إلى المفهوم الذي طوره عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو(Pierre BOURDIEU) عن الأدب باعتباره حقلا تتبع فيه المواقع المتنافسة قواعد لعبة مستقلة إلى حد ما عن القوى المهيمنة في المجتمع. لا نحتاج مع ذلك إلى الانخراط في مدرسة بيير بورديو لكي نستنتج أن الحياة الأدبية ليست مرتبطة كثيرا بقيم فكر الأنوار؛ فبالرغم من مبادئها المضيافة والمنفتحة كانت جمهورية الآداب تشكل عالما مغلقا لا يستطيع غير أصحاب الامتيازات بلوغه. ومع ذلك ففكر الأنوار يبدو لي خير ما يمكن الترافع به لصالح الانفتاح عموما وللوصول الحر إلى الكتاب على وجه الخصوص.فهل نشهد اليوم داخل عالم المكتبات والبحث والمجال الافتراضي تناقضا بين المبدأ والواقع كما كان الحال خلال القرن الثامن عشر؟ تحكي إحدى الزميلات أنها كانت دائما تسمع هذه الملاحظة المجاملة خلال السهرات التي تحضرها: ' أن يشرف المرء على مكتبة، أمر جميل.. لكن ما معنى أن يكون المرء مسؤولا عن مكتبة؟' فكانت تقدم دائما نفس الإجابة: ' هي قبل كل شيء مسألة مال ونفوذ'.لا يرضى أغلبنا بغير الانضمام إلى المبادئ المؤسسة لكبرى مكتباتنا العمومية. نقرأ على مدخل مكتبة بوسطن ' مفتوح للجميع'، وفوق رخام مكتبة نيويورك نطالع اقتباساً لجيفرسون منقوشا بحروف من ذهب: ' أعتبر التربية خير وسيلة لتحسين قدر الإنسان فوق الأرض وإحياء الفضيلة وضمان سعادة الناس'.بنيت جمهوريتنا على نفس القاعدة التي أسست عليها جمهورية الآداب: التربية. فبالنسبة لجيفرسون أخذت الأنوار بريقها من الكتاب والقراء ومن المؤلفات والمكتبات وبخاصة مكتبة الكونغرس ومكتبة مونتيشيلو ( حيث أقام جيفرسون) ومكتبة جامعة فرجينيا. إن هذا الاعتقاد في القوة المخلصة للكلمات نجده مسجلا في الفصل الأول من الدستور الأمريكي الذي أخضع حقوق التأليف والملكية الفكرية - المعترف بها ' لمدة محدودة' فقط - للمبدأ الأسمى ' لتطور العلوم والفنون النافعة'. إن الآباء المؤسسين قد اعترفوا للمؤلفين بحق الحصول على مكافأة مناسبة عادلة لعملهم الفكري لكنهم كانوا يؤكدون على أسبقية المصلحة العامة على النفع الشخصي.كيف يمكن تقييم كل من هاتين القيمتين؟ لم يكن مؤلفو الدستور الأمريكي يجهلون أن مفهوم حقوق الملكية الفكرية (copyright) قد ابتدع في بريطانيا العظمى سنة 1710 في إطار القانون المسمى ' قانون آن' (statute of Anne) إذ كان هذا التشريع يروم الحد من السلطان المطلق للناشرين و' تشجيع التربية'، وكان يمنح المؤلفين الملكية الكاملة لأعمالهم لمدة أربع عشرة سنة قابلة للتمديد مرة واحدة فقط. حاول الناشرون الدفاع عن احتكارهم عبر الاحتجاج بحق حصري ودائم للنشر يضمنه بحسب ادعائهم القانون العرفي. لكن المحاكم خطأتهم نهائيا في مسعاهم ذلك سنة 1774 خلال قضية دونالدسون ضد بيكيت.وعندما حرر الأمريكيون دستورهم ثلاث عشرة سنة بعد ذلك اعتمدوا الرأي السائد آنذاك في بريطانيا، فمدة أربع وعشرين عاما كانت تبدو طويلة كفاية لحفظ مصالح المؤلفين والناشرين بينما يجب أن تعود الأولوية بعدها للمصلحة العامة. وفي سنة 1970 استلهم أول قانون حقوق الملكية الفكرية (Copyright Act) الذي أعد من اجل ' تشجيع التربية' النموذج البريطاني عبر تبنيه مدة أربع عشرة سنة قابلة للتمديد مرة واحدة.فما هي المدة التي تدومها ملكية الحقوق الفكرية في يومنا؟ بحسب قانون 1980 (Sonny Bono Copyright Term Extension Act) والمسمى ' قانون ميكي' لأن شخصية الفأر لوالت ديزني كانت مهددة بالسقوط في الملكية العمومية، بحسب هذا القانون ينطبق حق الملكية الفكرية على العمل ما دام صاحبه على قيد الحياة ثم سبعين سنة بعد وفاته. هذا يعني أن المصلحة الخاصة للمؤلف وورثته لا تعتبر أي بعد آخر لمدة تفوق القرن. فأغلب الكتب الأمريكية المنشورة خلال القرن العشرين لم تسقط بعد في مجال الملك العمومي. أما على الشبكة العنكبوتية فالوصول الحر إلى تراثنا الثقافي لا يتحقق عموما إلا مع المؤلفات المنشورة قبل الفاتح من كانون الثاني ( يناير) 1923 وهو التاريخ الذي يعود إليه الناشرون لتحديد حقوقهم، وسيبقى الأمر كذلك لوقت ليس يسيرا إلا أن تتولى طبعا مجموعات خاصة رقمنة البضاعة وترتيبها وتسويقها لفائدة أصحاب الأسهم طبعا. أما الآن فنحن أمام الوضعية اللامعقولة والعبثية التي نجد فيها أن رواية بيبيت (Babbi) للكاتب لويس سنكلير الصادرة سنة 1922 تعتبر ملكا عموميا في حين سيبقى مؤلف إلمير غانتري (Elmer Gantry) المنشور سنة 1927 محجوزا بحقوق الملكية الفكرية حتى سنة 2022 إن الانتقال من المبادئ الكبرى التي أعلنها الآباء المؤسسون إلى أخلاق الصناعة الثقافية اليوم هو سقوط من سماء فكر الأنوار ومثله إلى مستنقع الرأسمالية الشاملة. ولو استخدمنا علم اجتماع المعرفة لتحليل الأزمنة المعاصرة ـ على طريقة عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو- لاستنتجنا أننا نعيش في عالم يحكمه ميكي.فجمهورية الآداب قد دخلت عالم الاحتراف على شكل جمهورية المعرفة، وهاهي اليوم تفتح أبوابها للهواة، في المعنى السامي للكلمة، أي لمحبي المعرفة بين المواطنين البسطاء. ويتم هذا الانفتاح على مستوى شامل من خلال الوصول إلى المقالات المرقمنة الموضوعة مجانا على مواقع الكترونية مثل مواقع : Open Content Alliance أو Open Knowledge Commons أو OpenCourseWare أو Internet Archive أو على مواقع تصرح بأنها هاوية مثل موسوعة ويكيبيديا. إن ديموقراطية المعرفة صارت في المتناول على الأقل في ما يتعلق بالوصول إلى المصادر. فهل يمكن أن يصير حلم أهل الأنوار واقعا؟من حق القارئ أن يتساءل هنا إن كنت بصدد الانتقال من عادة أمريكية محضة هي النحيب والنواح إلى عادة متجذرة من عاداتنا الغريبة التي هي الحماس البريء والساذج. افترض أن هناك وسيلة للتوفيق بين العادتين ضمن مسار جدلي لولا أن خطر التبضيع والتسويق يخيم علينا. فحين تنظر مقاولات مثل غوغل إلى مكتبة من المكتبات فإنها لا ترى فيها بالضرورة معبدا للمعرفة، بل منجم محتويات للاستغلال تحت السماء المفتوحة. يمكن لمحفوظات المكتبات التي بنيت خلال قرون بجهود جبارة ونفقات هائلة أن ترقمن على مستوى كبير وبتكلفة يسيرة لا تتعدى ربما بعض الملايين من الدولارات، وهو مبلغ زهيد على كل حال إذا ما قارناه بحجم الاستثمار الذي تم توظيفه لبناء المكتبات.إن هذه المكتبات وجدت لإنعاش مصلحة عامة: ' تشجيع التعلم' وجعل التعليم ' مفتوحا في وجه الجميع'. لكن المقاولات تـُنشأ لكي تدر الأموال على المساهمين، وليس في الأمر ضير دون شك لو اعتبرنا أن اقتصاد الربح يفيد هو أيضا المصلحة العامة. لكننا لو رخصنا بتسويق ثروات مكتبات فإننا نجازف بعدم التمكن من تجاوز تناقض أساسي. فرقمنة المحفوظات وبيعها على الشبكة العنكبوتية دون الاهتمام بجعل الوصول إليها حرا في وجه الجميع يعني تكرار الخطأ الذي تم ارتكابه مع المجلات العلمية التي ترك أمر تسييرها وإدارتها لناشرين خاصين، لكن الخطأ سيكون هذه المرة على مستوى أوسع للغاية لأن الأمر سيجعل من الانترنت أداة تخصيص ( خصخصة) المعرفة العامة. ليس هناك من يد خفية من شأنها أن تخفف الهوة بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة. وحده الصالح العام مؤهل للقيام بهذه المهمة، لكن من يمثله؟ أكيد أنهم ليسوا أولئك المشرعين الذين تبنوا ' قانون ميكي'.ليس بالإمكان سن قوانين بناء على مفاهيم فكر الأنوار، لكن من الممكن تحديد قواعد تضمن حماية المصلحة العامة. والمكتبات هي التي تمثل تلك المصلحة. إنها ليست مقاولات لكن عليها أن تقلص تكلفتها وتحتاج لمخططات عمل. وتذكر استراتيجيتها بالشعار الذي استعمله ممون الكهرباء كون إديسون عندما كان يفتح شوارع نيويورك لربط البنايات بالشبكة الكهربائية: ' أن نحفر، ذلك واجب علينا'؛ وهو شعار لو كيفناه مع المكتبات لصار: ' أن نرقمن، ذلك واجب علينا' لكن ليس بأية طريقة. يجب أن يكون ذلك خدمة للصالح العام، أي مع حماية مسؤولية المحتويات أمام المواطنين.سيبدو الأمر ساذجا لو تمت المماثلة بين الشبكة المعلوماتية والأنوار. إن الشبكة تسمح بنشر المعرفة على مدى أوسع بكثير مما كان يرجوه جيفرسون. فعندما كانت شبكة الانترنت تبنى خطوة فخطوة، ورابطا تشعبيا فرابطاً تشعبياً، لم تقف المقاولات جامدة تتابع الأمور على الرصيف ، بل حاولت السيطرة على المسار، والاستيلاء عليه وامتلاكه. زاحمت بعضها بعـضاً وتنافست بشراسة كبيرة جعلت أقلها جلدا تختفي. قاد صراعها من أجل البقاء إلى خلق أوليغارشية ( أقلية حاكمة) ذات سلطة وقوة متناهية وذات مصالح تخالف بشكل محسوس مصالح الجمهور.لا يمكننا البقاء مكتوفي الأيدي في انتظار أن تفرض المجموعات الخاصة على الملك العمومي تضحيات باهظة. أكيد أنه يجب علينا رقمنة الأعمال، لكن علينا بالخصوص دمقرطتها، أي تعميم الوصول إلى تراثنا الثقافي. كيف يتم ذلك؟ من خلال إعادة كتابة قواعد العمل ومن خلال إلحاق المصالح الخاصة بالصالح العام عبر استلهام رؤى الجمهوريين الأوائل لتأسيس الجمهورية الرقمية للمعارف.من أين جاء هذا الزخم الطوباوي الحالم؟ من غوغل. منذ أربع سنوات بدأت هذه الشركة برقمنة كتب تضمنتها فهارس المكتبات الجامعية واضعة على الشبكة أعمال بحث في نصوصها الكاملة، وجاعلة في متناول الجمهور عناوين سقطت في الملكية العمومية دون طلب فلس مقابل ذلك للهواة. لقد صار على سبيل المثال ممكنا وبالمجان مطالعة وتحميل نسخة رقمية من النسخة الأصلية لرائعة الروائية جورج إليوت ' ميدل مارتش' الصادر سنة 1871 والموضوعة في مكتبة بودليان في أوكسفورد. الجميع استفاد من هذا الأمر بما في ذلك غوغل التي تقبض دخل الإعلانات المنشورة بصورة خافتة على صفحة البحث في الكتب للموقع (Google Book Search)لقد قامت الشركة برقمنة عدد في تزايد مستمر من الكتب المحمية بحقوق الملكية الفكرية ووضعت مقاطع منها على الشبكة لتسهيل البحوث للمبحرين. لكن، في أيلول ( سبتمبر) وتشرين الأول ( أكتوبر) 2005 باشر لفيف من المؤلفين والناشرين الذين أرعبهم هذا الأمر عملية جماعية ضد غوغل باسم الدفاع عن حقوقهم المالية. وفي الثامن والعشرين من تشرين الاول (اكتوبر) 2008 وصل الطرفان بعد مفاوضات متناهية إلى اتفاق يحتاج اليوم إلى موافقة محكمة نيويورك .

حاسوب واحد للمستعملين:

يقتضي الاتفاق خلق شركة باسم سجل الحقوق المتعلقة بالكتاب (Book Rights Registry) تتكلف بتمثيل مصالح المؤلفين والناشرين مالكي الحقوق الفكرية. وستجعل غوغل الوصول إلى قاعدة بياناتها الضخمة خدمة مؤدى عنها، وهي قاعدة بيانات مؤلفة بداية من عناوين نفدت نسخها من السوق والتي توفرها المكتبات الجامعية. سيمكن للثانويات والجامعات والجماعات المختلفة الارتباط بها من خلال شراء ' رخصة مؤسسة'. ستمنح رخصة أخرى، تسمى ' رخصة الارتباط العمومي'، للمكتبات العمومية تسمح بالوصول مجانا لقاعدة البيانات لكن من خلال حاسوب واحد. وبخصوص حالة رفض مستعمل غاضب انتظار دوره للاستفادة من الحاسوب المطلوب، تم التفكير في خدمة مؤدى عنها على المقاس 'رخصة المستهلك''.من ناحية أخرى تلتزم شركة غوغل بالتعاون مع سجل الحقوق المتعلقة بالكتاب (Book Rights Registry) بهدف توزيع المداخيل المحصلة بهذه الطريقة، أي بنسبة 37 بالمئة للشركة و 63 بالمئة لأصحاب الحقوق الفكرية.وبالموازاة تواصل الشركة وضع أعمال من الملكية العمومية على الشبكة والتي ستظل قابلة للتحميل مجانا. فبين السبعة ملايين عنوان التي تقول الشركة أنها رقمنتها يجب اعتبار مليون كتاب ' عموميّ الملك' ومليون كتاب آخر تحت حقوق الملكية الفكرية وما تزال متوفرة في السوق، وخمسة ملايين كتاب محمية الحقوق كذلك لكنها نفدت من الأسواق أو مفقودة. وهذا الصنف الأخير هو الذي سيشكل كتلة الأملاك القابلة للتسويق عن طريق ' الرخصة'.ستظل الكثير من الكتب محمية الحقوق مع ذلك خارج قاعدة البيانات الشاسعة هذه إلى أن يقرر مؤلفوها أو ناشروها أو أصحاب حقوقها الفكرية أمرا آخرا. ستواصل هذه الكتب تداولها في السوق بشكلها الورقي على الطريقة القديمة كما ستكون موضع تسويق بالشكل الرقمي إما ليتم تحميلها عبر ' رخصة المستهلك' وإما لتكييفها على شكل كتب الكترونية (e-books).باختصار شديد، بعد قراءة الاتفاق بين غوغل والمؤلفين والناشرين وبعد التشيع بفلسفته ـ والمهمة ليست يسيرة لما كانت الوثيقة تمتد على مئة وأربع وثلاثين صفحة وخمسة ملاحق - يقف المرء فاغرا فاه: إنها أساسات ما يمكن أن يصير اكبر مكتبة في العالم. هي مكتبة رقمية فعلا لكن يفترض أن تنتصر نهائيا على أشهر المؤسسات الأوروبية والأمريكية. وزيادة على ذلك سترتقي غوغل إلى مرتبة أكبر بائع كتب في الكوكب وستجعل امبراطوريتها الرقمية موقع أمازون Amazon الشهير في مرتبة متجر الحي في المجال.كيف للمرء أن لا يكترث لأفق رؤية كنوز كبرى المكتبات الجامعية الأمريكية في متناول نقرة كل المبحرين على الانترنت عبر العالم؟ فهذا السحر التكنولوجي لغوغل لن يمكن القارئ من الوصول إلى الكتب التي يريد فقط، بل يفترض أن يفتح إمكانات بحث لا تنضب. فتحت بعض الشروط سيكون بإمكان المؤسسات المشاركة في المشروع واستعمال نسخ رقمية للمؤلفات المفقودة أو المعطوبة أوالتالفة من أجل تجديد خزاناتها. من ناحية أخرى تلتزم غوغل بتقديم النصوص بشكل يجعلها في متناول القراء ذوي الإعاقات المختلفة.بكل أسف لن يكون بإمكان وعد غوغل بتمكين المكتبات العمومية من الوصول إلى الوثائق عبر جهاز حاسوب واحد أن يلبي الطلب خاصة بالنسبة للمؤسسات التي تشهد أكبر إقبال. كما أن المسألة بالإضافة إلى ذلك محاطة بتقييد يقضي بأن القراء الراغبين في طباعة نص محمي الحقوق لن يتمكنوا من الأمر دون مقابل نقدي. ذلك لا يمنع أن صغار المكتبات البلدية ستمتلك رصيدا افتراضيا أهم مما تملكه المكتبة المركزية الكبرى في نيويورك. أجل، بإمكان غوغل أن تحقق حلم فكر الأنوار.لكنها هل ستفعل؟ كان فلاسفة الأنوار يعتبرون حالات الاحتكار أهم عائق يحول دون انتشار المعرفة وكانوا يلومون في ذلك جمعية الطابعين في نيويورك وهيئة باعة الكتب في باريس اللتين كانتا تقفان بقوة ضد حرية انتقال الكتاب.

حصانة ضد كل أنواع المنافسة :

غوغل ليست هيئة ولا تتصور نفسها كشكل احتكاري، بل إن هذه الشركة تتبع هدفا محمودا وهو إنعاش الوصول إلى المعلومة لكن الاتفاق الذي وقعته يجعلها تتمتع بعصمة ضد كل شكل من أشكال المنافسة، فأغلب المؤلفين والناشرين الذي يملكون حقوقا فكرية يقعون تلقائيا تحت غطاء هذه الوثيقة. يمكنهم بطبيعة الحال الخروج من المعاهدة لكنهم مهما فعلوا فلا يمكن لأي مشروع رقمنة أن يرى النور دون موافقة كل أصحاب الحقوق وهو ما يعني أنها مهمة مستحيلة. فإذا ما بارك القضاة هذه العملية ـ وهو مسار قد يأخذ سنتين إضافيتين - فإن العملاق الكاليفورني سيكون له السيطرة المطلقة على كل الكتب الصادرة في الولايات المتحدة الأمريكية تقريبا. هذه النهاية لم تكن مستبعدة فقد كان بالإمكان خلق مكتبات رقمية وطنية، تشكل النظير الحديث لمكتبة الإسكندرية التاريخية. فعندما كانت السلطات تغط في نوم عميق، بادرت شركة غوغل ولم تبحث عن الترافع أمام المحاكم بل مسحت ضوئيا كتبا وأنجزت ذلك بشكل فعال جعل لعاب الآخرين يسيل على الأرباح التي ستجنيها. سنجانب الصواب إذا انتقصنا من طموح المؤلفين والناشرين في تحصيل الحقوق الواجبة لهم كما علينا الحذر من التسرع في الحكم على حجج عمليتهم الجماعية ضد غوغل. ولكن بانتظار إصدار الحكم من قبل قضاة نيويورك، لا جدل في أن الاتفاق يقوم على توزيع الأرباح وليس الدفاع عن الصالح العام.ومن الآثار غير المتوقعة لهذه القضية أن غوغل ستجد نفسها بالفعل في وضع احتكار من نوع آخر، احتكار ليس موضوعه الفولاذ أو الموز بل الوصول إلى المعلومة. فليس للمقاولة أي غريم جدي. تخلت شركة ميكروسوفت منذ عدة شهور عن مشروعها الخاص برقمنة الكتب أما باقي الشركات الموجودة في السوق مثل Open Knowledge Commons أو Internet Archive فلا تكاد تشكل ما يمكن ذكره أمام غوغل. فهذه الاخيرة وحدها تمتلك الوسائل الضرورية لرقمنة المؤلفات على مستوى بهذا الحجم من الضخامة. وبفضل الاتفاق الذي تفاوضت بشأنه مع الكتاب والناشرين يمكنها أن تضع كامل قوتها المالية دون أن تبرح مجال القانون.إن ما قامت به غوغل حتى اليوم يوحي بأن الشركة لن تسيء استغلال نفوذها، لكن ما الذي سيحدث عندما يبيع المسيرون الحاليون أسهمهم أو يحالون إلى التقاعد؟ تمنحنا التعريفة الحالية للوصول إلى قاعدة البيانات الرقمية أولى عناصر الإجابة عن هذا السؤال. فهذا الاتفاق بالصيغة التي انتهى إليها يترك للشركة كامل الحرية في إعادة التفاوض حول تسعير الرخص مع زبائنها رغم أنها تعهدت بالتزام مبدأين عامين:مطابقة الدخل المحول لفائدة أصحاب الحقوق الفكرية بخصوص أي مؤلف على مؤشر السوق.

ضمان الوصول الواسع للجمهور، خاصة بالنسبة لمؤسسات التعليم العالي'

ما الذي سيقع لو فضلت مؤسسة غوغل أرباحها على حساب جمهورها؟ لن يقع شيء بحسب مقتضيات الاتفاق. وحدها شركة سجل الحقوق المتعلقة بالكتاب (Book Rights Registry) المتدخلة باسم أصحاب الحقوق يمكنها فرض تعريفات جديدة على الشركة، لكن ذلك لا يبدو كثير الترجيح أن تقوم بمعارضة تسعير مرتفع جدا. يمكن أن تختار غوغل تعريفة كريمة، لكن لا شيء يمنعها من اعتماد استراتيجية تشبه تلك التي اعتمدها ناشرو المجلات العلمية: أي البدء بإغراء الزبون من خلال عرض جذاب ثم ما إن يبلع الصنارة حتى ترفع الأسعار إلى أعلى ما يمكن.يرد أنصار التبادل الحر أن السوق سـتضبط نفسها بنفسها. إذا غالت غوغل في تسعيرها فإن الزبائن سيلغون اشتراكهم فتنزل الأسعار بالنتيجة. لكن ليس هناك ترابط مباشر بين العرض والطلب في الآليات التي تتولى منح الرخص المؤسساتية على الأقل ضمن منظور الموقعين على الاتفاق. لن يكون التلاميذ والأساتذة والمشرفون على المكتبات هم من يدفعون.هي المكتبات التي ستدفع ولو فشلت في إيجاد التمويل الضروري لتجديد اشتراكها فإنها ستجازف بتأجيج الاحتجاج ضدها من قبل القراء الذي سيكونون قد صاروا ' مدمنين' على خدمات غوغل. وسيفضلون آنذاك الاقتطاع من مصاريفهم الأخرى، كتقليص مقتنياتهم من الكتاب الورقي على سبيل المثال كما فعلوا سابقا عندما رفع الناشرونتسعير الدوريات المتخصصة.في غياب إمكان توقع ما سيأتي به المستقبل، يمكننا الاكتفاء بمراجعة مقتضيات الاتفاق واستنتاج بعض الفرضيات. لو جعلت غوغل الوصول إلى الثروة المتراكمة لكبرى المكتبات الامريكية مقابل ثمن معقول، لن نبخل بتصفيقات الإشادة. لكن أليس الوصول إلى متن ضخم من العناوين بمقابل مرتفع أفضل من أن لا نصل إلى أي شيء؟ لا شك في الأمر، لكن اتفاق خريف 2008 قلقل العالم الرقمي بتركيزه كل السلطات في أيدي مقاولة واحدة.فإذا ما استثنينا ويكيبيديا فإن غوغل تحتكر الوصول إلى المعلومة على الشبكة لأغلبية الامريكيين، سواء بحثوا عن مقال أو صورة أو آلة غسيل أو تذكرة سينما. هذا دون احتساب الخدمات الملحقة بمحرك البحث الاشهر: خدمة الكرة الأرضية (Google Earth) ، خدمة الخرائط (Google Maps) خدمة الصور (Google Images) خدمة مختبرات (Google Labs) خدمة الفنون (Google Arts) وخدمة المال (Google Finance) ... وباقي التفرعات قيد الإنشاء. في يومنا الحاضر خدمة البحث عن الكتب لغوغل على وشك تدشين أكبر مكتبة وأهم متجر للكتب في التاريخ. فمهما كانت طريقة تأويل هذا الاتفاق، تتداخل بنوده بطريقة متشابكة معقدة تفرض نفسها ككتلة. أما اليوم فلا غوغل ولا المؤلفون ولا الناشرون ولا محكمة مقاطعة نيويورك قادرون على إحداث تغييرات تستحق الذكر. إننا أمام منعطف عظيم في تطور ما نسميه بمجتمع المعلومة. فإذا لم نعد التوازن لميزان الأمور، فإن المصالح الخاصة ستجرف نهائيا في القريب العاجل الصالح العام. وسيكون حلم الأنوار أبعد عن التحقق من أي وقت مضى.

ترجمة: المبارك الغروسي عن مجلة

Mani're

de voir الفرنسية، عدد شـباط ( فبراير) وآذار ( مارس) 2009

ترجمة مقال

Robert Darnton La biblioth'que universelle, de Voltaire Google,

Le Mani're de voir

109 / F'vrier - mars 2010

عن مجلة Mani're de voir الفرنسية، عدد شباط ( فبراير) وآذار( مارس) 2009

1ـ مؤرخ وأستاذ في جامعة كارل بفورزهايمر ومدير خزانة هارفارد.

2ـ مدد قانون 1998 ملكية حقوق الملكية الفكرية لمدة عشرين سنة بشأن الأعمال الصادرة بعد الفاتح من كانون الثاني ( يناير) 1923 . لقد تم رفع هذه المدة إحدى عشرة مرة خلال الخمسين سنة الأخيرة مما شكل مسألة مزعجة لاهل القانون ومؤسساته. حتى سنة 1992 كان على أصحاب الحقوق أن يطلبوا بأنفسهم تجديد الحماية. صارت هذه المسطرة تلقائية بالنسبة للكتب المنشورة بين 1964 و 1977 لكن بشرط أن يمتلك المؤلفون حقوق تأليف لمدة خمسين سنة بدءا من تاريخ موتهم. مدد قانون 1998 بعد ذلك هذه الحماية عشرين سنة إضافية. إنه السبب في كون الكتب المنشورة بعد سنة 1963 بقيت محمية في الوقت الذي يبقى عدد كبير من المؤلفات ـ التي يستحيل معرفة عددها بسبب عدم اكتمال المعلومات عن المؤلفين وورثتهم - الصادرة بين 1923 و 1964، محميا أيضا بحقوق الملكية الفكرية. راجع في هذا الصدد:

Paul A. David et Jared Rubin, ''Restricting acce to books on the Internet': Some unanticipated effects of US copyright legislation'', Review of Economic Research on Copyright Iues, vol. 5, n'1, Christchurch (Nouvelle-Z'lande), septembre'2008

3ـ يمكن الاطلاع على النص الكامل على صفحات غوغل ضمن قانونها للبحث في الكتب http://www.googlebookselement.com/agreement.html


Tu hermoso corazn

pasto ser de hienas y leones

y la ceiba pacfica cimentar su tronco

sobre tu sangre abierta y generosa.

Vers el sol inmenso cada tarde

caer desnudo y rojo en la sabana,

como otro corazn ms abundante

que el tuyo, pero no ms aguerrido.

Tu bello corazn,

que no precisa un cuerpo a que aferrarse,

navegando la tierra por races tan suaves,

se volver semilla y, una noche,

florecer de amor como una enredadera.

Your beautiful heart

grass will be of hyenas and lions

and cements its peaceful ceiba trunk

blood on your open and generous.

You'll see the sun each evening immense

fall naked and red in Savannah ,

more abundant as other heart

than yours, but no more brave.

Your beautiful heart

that does not require a body to be grasped,

navigating the land by roots so soft,

seed and will become one night,

love blossom like a vine.

قلبك الجميل

والعشب سيكون من الضباع والسباع

ويعزز سياسة سلمية للجذع سيبا

والدم على صراحتك وسخاءك.

سترى الشمس مساء كل يوم هائلة

تسقط عارية حمراء في سافانا ،

أكثر وفرة من غيرها من القلوب

مما عندكم ، ولكن ليس الأكثر شجاعة.

قلبك الجميل

الذي لا يتطلب جسدا كي يفهم ،

يحرث الأرض بالجذور بنعومة ،

بالبذور ، التي لسوف تصبح ليلة واحدة ،

ليزهر الحب مثل كرمة.

Este poema no est publicado en libro, obtuvo un premio en Pars llamado "La porte des poetes", de la embajada de Paraguay en Francia

هذه القصيدة لم تنشر في كتاب حصل على جائزة في باريس يدعى "لابورت ديس poetes" سفارة باراغواي في فرنسا

This poem is not published in book won an award in Paris called "La porte des poetes, Paraguay Embassy in France

سولجينتسين : الأديب الروسي الذي عادى الشيوعية في عنفوانها

فخري صالح

تمثل السيرة الذاتية للكاتب الروسي الراحل الكسندر سولجينتسين 1918( ـ )2008 واحدة من بين أكثر السير شجاعة وقدرة على التحمل والإصرار على العمل والكتابة رغم الحصار والضغوط التي أحاطت بحياة كاتب حصل على جائزة نوبل للآداب مع أنه لم يكن قد نشر في بلده روسيا سوى كتاب واحد.

كان سولجينتسين نشر كتابه "يوم واحد في حياة إيفان دينيسوفيتش" عام 1962 ، بعد تدخل محرر مجلة نوفي مير ، الذي نصح الكاتب الروسي الذي أمضى حوالي سبع سنوات في معسكرات الاعتقال في الاتحاد السوفياتي السابق ، أن يحذف الكثير من العبارات والمقاطع لكي يتاح للرواية النشر. وقد أعطى نيكيتا خوريتشيف ، الرجل الأقوى في الاتحاد السوفياتي تلك الأيام ، موافقته على نشر الكتاب فاتحا الباب أمام انتقاد عهد ستالين.

لكن سولجينتسين عاد إلى الظل بعد إقصاء خوريتشيف عن السلطة عام 1964 ، ولم ينشر أيا من أعماله في روسيا قبل عام ,1990 والمدهش في الأمر أن الكاتب الروسي ، الذي رفض مهادنة السلطة في الاتحاد السوفياتي السابق أيام ستالين ، وحتى أيام بريجنيف ، ظل يواصل منذ ستينات القرن الماضي العمل على رواياته وقصصه ومؤلفاته التاريخية ، وهو ممنوع من الكتابة والنشر في أي من وسائل النشر السوفياتية. وقد تسربت في تلك الأثناء بعض من أعماله إلى دور النشر الغربية لتظهر روايتاه "الدائرة الأولى" و"جناح السرطان" عام 1968 ، ما لفت الانتباه إليه بقوة بسبب جرأته ونقده العنيف للسلطات السوفياتية ، وتصويره الحي للعنف الذي تمارسه تلك السلطات ضد معارضيها.

حصل سولجينتسين على جائزة نوبل للآداب عام 1970 ، لكنه استلم الجائزة في حفل خاص في العاصمة السويدية عام 1974 بعد نفيه من الاتحاد السوفياتي إلى فرانكفورت وتجريده من جنسيته السوفياتية ، حيث عاش في بيت الكاتب الألماني هاينريش بول ، الذي حصل ـ في ما بعد ـ على جائزة نوبل للآداب. بعدها انتقل سولجينتسين إلى أمريكا عام 1976 ، ثم عاد إلى روسيا عام 1994 بعد تسلم بوريس يلتسين السلطة. لكن سولجينستين سرعان ما بدأ هجومه العنيف على السلطة الروسية الجديدة متهما إياها بالفساد والعفن وتشجيع المافيات وتخريب الحياة الروحية للشعب الروسي.

بسبب من شراسة نقده للوضع السياسي والاجتماعي منذ بدء الثورة السوفياتية وجد الغرب في أعمال سولجينتسين أداة من أدوات الصراع خلال احتدام الحرب الباردة. لقد أصبحت تلك الأعمال ، خصوصا بعد صدور كتابه الضخم المكون من ثلاثة مجلدات "أرخبيل الغولاغ" (1973ـ )1978 ، بعضا من العدة الأيديولوجية لأمريكا ، والغرب بعامة ، في الصراع العنيف المحتدم مع الدولة السوفياتية. وإذا كانت روايته "جناح السرطان" تصور تجربته الشخصية مع مرض السرطان ومنع أجهزة الدولة السوفياتية علاجه في البداية ، كما أنها تربط بصورة رمزية بين المرض والنظام الشيوعي ، فإن "أرخبيل الغولاغ" تمزج بين التجربة الشخصية في معسكرات العمل السوفياتية ، في الحقبة الستالينية الرهيبة ، والتحقيق الصحفي والبحث والشهادات الشخصية لأكثر من 227 واحدا تعرضوا للاعتقال مثلهم مثل سولجينتسين.

لقد لفت سولجينتسين نظر الغرب والعالم إلى تلك المعسكرات السرية التي أنشأها ستالين لتعذيب معارضيه وتعريضهم لكل أنواع الإهانة والتعذيب الجسدي والنفسي ، والتصفية الجسدية. وكانت الشهادة الشخصية لسولجينتسين إدانة موثقة لما تعرض له مئات الآلاف من المعادين للثورة الروسية ، حتى أولئك المؤيدين لها ولكنهم خالفوا في رؤيتهم الأيديولوجية ، وربما العملية ، خط ستالين ومؤيديه.

كان سولجينتسين معاديا لتلك الثورة وغاياتها وتطبيقاتها العملية. لكنه كان ، حتى في منظور المثقفين والسياسيين في الغرب ، غير المتعاطفين مع ممارسات ستالين ، كاتبا يمينيا منشقا ذا ميول وطنية روسية استعلائية متحجرة. وهو إلى جانب كونه معاديا للثورة الروسية والاتحاد السوفياتي السابق ، كان معاديا للحضارة الغربية في الوقت نفسه ، حتى إنه يوجه نقدا لتلك الحضارة بسبب ميلها الشديد للاعتماد على القانون ، فذلك في نظره يهمل الميول الروحية المتعالية للإنسان. وعندما منحته جامعة هارفارد الأميركية درجة الدكتوراه الفخرية عام 1978 هاجم بعنف ثقافة الغرب الحديثة التي تهمل الدين وتفتقر إلى "الشجاعة الأخلاقية" وتجهل الطاقات الخلاقة غير المحدودة ، التي ينطوي عليها الكائن البشري.

حصول سولجينتسين على جائزة نوبل للآداب عام 1970 جعله أيقونة ثقافية ـ سياسية يرفعها الغرب في وجه التيارات اليسارية والماركسية التي تعيش بين ظهرانيه. ومع ذلك لم يجد فيه نقاد الأدب ، حتى أولئك الذين ينتمون إلى اليمين في الغرب وخارجه ، ذلك الكاتب الذي يتميز بأسلوب لافت في الكتابة الروائية أو القصصية وحتى التاريخية. لقد كان كاتبا تهمه الوقائع والأحداث التاريخية أكثر من الأسلوب. وهو لهذا السبب لا يُذكر ، إلا نادرا ، في الكتب التي تنظّر للنوع الروائي وتبحث عن الروائيين الذين أحدثوا تحولا في مسار الكتابة الروائية في روسيا والعالم. فباستثناء "جناح السرطان" و"أرخبيل الغولاغ" لم تلفت أعمال سولجينتسين قراء الأدب. لقد كتب عددا كبيرا من الكتب خلال حياته المديدة 89( عاما): فتاة الحب والبريء (1969) ، ليالي بروسية (أنهى كتابتها عام 1951 ، ونشرت عام )1974 ، السنديانة والعجل (1975) ، نوفمبر 1916 (1983) ، احتفال النصر (1983) ، سجناء (1983) ، آب 1914 (1984) ، إعادة بناء روسيا (1990) ، السؤال الروسي (1995) ، مائتا عام من العيش معا (عن العلاقات الروسية - اليهودية ، 2003). لكن هذه الكتب ، التي ينطق بعضها برؤية يمينية متطرفة لروسيا والغرب والعالم ، لم تجعل من سولجينتسين واحدا من كبار كتاب روسيا الكبار. فهو لم يكن بحجم ميخائيل شولوخوف أو موريس باسترناك ، وكلاهما حصل على نوبل للآداب من قبله ، لكنه كان كاتبا يمتلك شجاعة أخلاقية كبيرة ليعارض سلطة باطشة لم يكن يجرؤ على معاداتها إلا أشخاص من مثله هو ومن مثل بولغاكوف.

حوار مع الروائي الفرنسي باتريك موديانو تكاد الكتابة أن تكون عملية جراحية

محمد الفحايم

ولد باتريك موديانو بباريس عام 1945، من أب ايطالي وأم بلجيكية، التقيا في باريس زمن الاحتلال. عاش طفولة ترنحت بين غياب الأب الذي كان يسمع عنه حكايات مضطربة، وجولات الأم التي كانت تعمل ممثلة في السينما. ترك موت أخيه ' رودي' جرحا لا يندمل في نفسه، وظل يهدي إليه أعماله المكتوبة بين 1967 و1982. يقول عن ولادته: ' المصادفة هي التي خلقتني عام 1945، هي التي وهبتني أصولا مضطربة، وهي التي حرمتني من محيط عائلي، فلا يمكنني أن أكون مسؤولا عن الأفكار السوداء والقلق وعن صورة معينة للنزعة المرضية التي فرضت عليّ، فأنا لم أختر، البتة، مادة كتبي'. تعرف إلى الكاتب الفرنسي الشهير ' ريمون كونو' في سن الخامسة عشرة، لما كان تلميذا يدرس عليه مادة الهندسة. وكان لقاؤه به حاسما في حياته، فهو الذي أخذ بيده إلى عالم الأدب، بعد أن قرأ مخطوطة روايته الأولى ' ساحة النجمة' عام 1967.

فازت روايته ' شارع الحوانيت المعتمة' 1978 بجائزة الغونكور، وترجمها إلى العربية محمد عبد المنعم جلال، كما ترجم محمد المزديوي روايته ' مقهى الشباب الضائع' 2007 ، وآخر ما صدر له رواية ' الأفق' في آذار (مارس)2010.

التيمات المطروقة في أدبه

يقوم الأدب المودياني على تيمتين رئيسيتين: البحث عن الهوية ( هويته وهوية محيطه العائلي) والعجز عن فهم فوضى وحركات المجتمع. وهو ما يجعل السارد في رواياته يقوم، في الغالب، بدور الملاحظ الذي يسعى إلى إيجاد معنى ودلالة للعديد من الأحداث التي تجري أمامه، لذا يعمل على كشف بعض الدقائق والتفاصيل والقرائن التي يمكنها أن تشكل وتضيء هوية ما. يتجلّى موديانو أو سارده ، أحيانا، بوصفه، بحق، عالم آثار للذاكرة. يقوم بجمع الوثائق والأخبار الخاصة به، وبأقربائه، أو بمجهولين.ويبدو من الاشتغال الذي تمت عليه بعض الصفحات، وكأن رجل التحرّي أو مؤرخا رسميا هو من كتبها.

وتعد فترة الاحتلال الألماني لفرنسا من الهواجس التي ألحت عليه، تناولها في أعماله الثلاثة الأولى، والتي سميت بـ ' ثلاثية الاحتلال' وهي: ' ساحة النجمة' 1968 و' دورية الليل' 1969 و' شوارع الحزام' 1972. كما تحتل صورة الأب في أعماله مكانة أساسية، وتشكل الأصل الذي تتفرع عنه تيمات صغرى كالغياب والخيانة والوراثة. فأبوه ' ألبير موديانو' ظل لغزا في حياته، يجهل عنه كل شيء تقريبا، إذ ظل غائبا ، محاطا بالشبهات، ما جعل الكاتب يعيد تكوين صورته.

تنسج رواياته علاقات بين الماضي والحاضر، وتفصح عن حنين إلى الماضي يتردد بين الذاكرة والنسيان، علاقات تذكر بنوستالجيا الزمن الذي يمر، وبالهواجس الملحّة المرتبطة بمآسي الحرب العالمية الثانية.

باتريك موديانو كاتب غزير الإنتاج، يشكل بمعية الكاتب الفرنسي جان ماري لوكليزيو( جائزة نوبل 2008) لحظة هامة في الرواية الفرنسية، من أهم ملامحها تجاوز ظاهرة أو تيار الرواية الجديدة التي أنتجت أدبا بارعا في الشكل والتجريب والهدم، لكنه خال من الروح والبعد الإنساني. وكما يصرح في هذا الحوار، فهذه الرواية الجديدة تعدم صفة الحضور البارز في جغرافيا الأدب الفرنسي. عادت الرواية الفرنسية، مع هذين الكاتبين، إلى دفء وحرارة الفعل الإنساني، وإلى معانقة القيم والموضوعات الروائية الكبرى التي حفل بها المتن الروائي الغربي في لحظاته الأساسية.

ما رأيكم في فكرة التخييل الذاتي التي تم الحديث عنها بصدد مؤلفاتكم؟

أكيد، لقد أصبح محتما عليّ الانتفاع من مادة حكائية شخصية، بيد أني أعتقد دائما أن المعطيات الأوتوبيوغرافية تكون نافعة إذا ما ضُخّ فيها قدر من التخييل. أحس بشيء من الحذر إزاء المحاولة التي لا تسعى إلا لأن تكون أوتوبيوغرافية، بالرغم من أني معجب، مثلا، بـ ' شواطىء أخرى' لنابوكوف، أو بأعمال شاتوبريان. لا يمكن للمرء أن يكون مهذبا بالتمام مع ذاته، وقد يكون من الرائق أن ينسى المرء أو يمحو أشياء من حياته الشخصية، جميع أنواع النسيان... يصعب على المرء أن يكون المشاهد الشخصي لذاته: يتعذر عليه أن يسمع وقع صوته وأن يرى من خلفه. من هنا فإن المرء مرغم على أن يكشف عن ذاته. ولهذه الأسباب، يبدو لي أن مشروعا أوتوبيوغرافيا صرفا هو شأن مصطنع، زد على ذلك أن هذا المسعى يجازف، أحيانا، بأن يصبح مجرد اجترار نرجسي، بينما يتيح ضخّ التخييل التوجه نحو الآخرين، والتواصل مع القارىء، وجعل الأشياء مدهشة أكثر لشخص يوجد خارج الذات. وإذا كانت السيرة الذاتية تعدم المزايا الشعرية كما عند ' نابوكوف' أو ' شاتوبريان'، فإنها تنزع إلى المماحكة النرجسية .إذا لم تؤسلب المادة الحكائية فإننا نكون إزاء عملية ثأر بسيطة. أحب أن تحدث المادة الحكائية نوعا من الوميض والتألق...أو على النقيض من ذلك، فإن ما يهم هو وثيقة خامّ عن حياة شخص، شبيهة بتقرير بوليسي... إن ' الأنا' التي تنكتب في رواياتي، ليست، إذا، ذاتي بشكل تام ، إنها ' أنا' أندسّ فيها لا بطريقة مسرنمة بل بطريقة تكاد تكون حلمية، وإنه لمن الصعب تفسيرها. ليست الكتابة نهجا أسعى إلى التعرف فيه على ذاتي، ليست هذه الأنا، إذا، استبطانية. فأنا لا يهمني أمر اكتشاف من أكون.

لماذا، إذا، تكتبون؟

ربما لأني أحب أن أرى في الأشياء أو الأمكنة المبتذلة، سرّا خفيا لم يره الناس من قبل. ثمة عدد ضئيل من الأمكنة تجتذبني، أعود إليها باستمرار. وقد يلفي ملاحظ أجنبي أن هذه الأمكنة الحضرية، وأن أحياء باريس هذه لا تبعث أي اهتمام، بيد أنها تمارس عليّ نوعا من السحر، ونوعا من الغموض المدهش. لو أني ولدت في الريف لربما سأصف غابات... جميع هذه الأمكنة، وجميع هذه العناوين هي علامات لأسر أشياء هاربة، غائبة. إن الغياب حالة أسعى إلى التعبير عنها، والحال أن الغياب يكون، بالأحرى، مدهشا، حين تدرك أن إنسانا ما، كان حاضرا في زمن ما وفي مكان ما.

أتبدو العلاقة بالعالم، في نظركم، أهم من العلاقة بالذات؟

بالطبع، وفي الوقت ذاته، فإن البعض بإمكانه أن يرى أن هذا الشيء الذي يثير فيّ، أنا، الدهشة، نحو شارع في باريس، ليس فيه ما يبعث على الدهشة. لكن إذا ما أدركنا السّر الغامض فإن هذا الشيء ، مع ذلك، يحوز في داخله أهمية...

هل بمقدور الصورة القوية لـ ' المستنقع' وللانغمار في الرمال المتحركة، التي تتواتر في أعمالكم، أن تعكس اللّجّة التي تحذرون منها وأنتم تكتبون؟

نعم، لكن هذا الانطباع يبدو لي عاما أكثر منه خاصا. فلو أني ولدت في عصر آخر وفي ظروف أخرى، وفي الجملة في سياق آخر، لن يكون لديّ، من دون شك، هذا الإحساس بالتذبذب. زد على ذلك أني كنت أنجذب ، في الأدب، إلى الكتب التي كانت تظل في منأى عن هذه الرمال المتحركة، باعتباري ولدت عام1945 ، وسليل علاقات خطرة إبّان الحرب.

هل فترة الكتابة، بالنسبة لكم، سعيدة أم تعيسة؟

ما يغريني، هو هذا النوع من الحلم الذي يسبق الكتابة بالمعنى الدقيق للكلمة، والذي أنغمس فيه مدة أيام كاملة، لا يشكل الحلم، عندي، إلا من أشياء وناس واقعيين أو انطلاقا من تحديد أمكنة موجودة: يتأتى محرك الحلم من عناصر دقيقة جدا، فحين أعلم أن شخصا ما قد وجد بالفعل، وأن حياته تحوي مناطق معتمة، وبأنه عاش في عمارة معينة... فإن الانتقال إلى الكتابة وتجسيد هذا الحلم يكون وقعهما عليّ كوقع حمّام بارد. ليس الأمر مؤلما ، بل مقرفا. فبما أن فعل الكتابة يطول جدا، فإننا نفقد حميّة الحلم. وأفترض أن هذا الانتقال، بالنسبة لرسام، يكون أكثر مباشرة. في الكتابة، تشبه المدة الاندفاعة الأولية التي جعلتك تحلم، والتي تتلاشى قليلا، بينما يتوجب عليك، بالضرورة، أن تستمر. إن المثال ، إذا، هو أن تحلم، وأن تدون بعض النقاط، لكن، فيما بعد، ينبغي تنظيم المادة الحكائية، وهو أمر قاس للغاية. إن هذه اللحظة التي نكون فيها كما لو أننا صاحون ، ليست اللحظة التي أفضلها. إني لأندهش من هؤلاء الكتاب الذين يقولون بأنهم يكتبون من الساعة الثامنة صباحا حتى المساء، وفيما يتعلق بي، فإني لا أقدر ، عمليا، على الكتابة لمدة طويلة. إن الكتابة تكاد أن تكون شبيهة بعملية جراحية: إذ نبذل تركيزا كبيرا بحيث يتوجب إنجازها على وجه السرعة. وفي حالتي ، فإن التركيز يبدأ في التلاشي عند انصرام ساعة أو ساعة ونصف ساعة.

ما اللحظة التي تؤثرون الكتابة فيها؟

بما أن الكتابة كانت بالنسبة إليّ، على الدوام، شأنا مقرفا، فإني لما كنت في ريعان الشباب، كنت لا أكتب إلا في ساعة متأخرة، أما اليوم، فبالعكس، أفضل أن أتحرر منها فورا: إنني أكتب، إذا، صباحا. ثمة، دوما، هذا الإحساس من عدم بلوغها. ويعد تمرين التصحيح، فيما بعد، أقل عناء. أصحح بدقة وأطارد التكرارات، ويتطلب هذا وقتا طويلا، حتى وإن كنت لا أعيد، أبدا، كتابة صفحات كاملة. وهناك لحظة ينبغي معرفة التوقف عندها بصورة نظامية، وإلا فإن الأمر شبيه بصدرية تغزل، كلما أثرت عقدة خيط انحلّ كل شيء.

أتعدّ الكتابة والقراءة ، عندكم، نشاطين لا ينفصمان؟

نعم، لأن المرء، لا شعوريا، يلاحظ أثناء الكتابة وجود بقايا وتذكرات من القراءة، تتمظهر في إيقاع الجملة ذاته. ففي سن الشباب يتلقى المرء صدمات القراءة، وبخاصة في مجال الشعر. فالشعراء الذين قرأناهم يعودون، وتشكّل أبياتهم خليطا ملفقا، لذا يقول المثل المأثور: من الشعراء السيئين ينشأ ناثرون جيدون.'

ما الذكرى التي تحتفظون بها، اليوم، عن الجو الأدبي الذي أحاط بنشر روايتكم الأولى عام 1968؟

لقد نشرت ' ساحة النجمة'، كتابي الأول، وأنا شاب يافع، كان طقس ما قبل الحرب ما زال سائدا في دور النشر، إذ لم تكن الصحافة والنقد الأدبي يلعبان الدور الذي يقومان به اليوم. كل شيء كان يتم ببطء شديد، وكان كتاب الثلاثينيات الكبار يواصلون، من جهة أخرى، نشر الكتب: مونثرلان، مالرو، أراغون، مورياك ، ومثلما كان يقول جان كوكتو فإن باريس، قبل الحرب، تتألف من ستمئة شخصية، أما اليوم فالأمور أكثر شراسة وأكثر تنظيما. وأعتقد أني كنت شاهدا على التحول الذي حدث في السبعينيات، وهاك تفصيلا صغيرا:كانت كتب الدخول الأدبي تطبع، من قبل، في نهاية أيلول ( سبتمبر)، أما اليوم ، فيتوجب أن تكون جاهزة ابتداء من شهر حزيران ( يونيو)...

كانت معرفتكم جيدة بريمون كونو، ونشرتم كتابا تحاورون فيه إيمانويل بيرل بعنوان ' أسئلة'.

نعم، كنت محظوظا بلقاء كونو وأنا يافع، حوالي الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة . كنت عديم الشأن في الرياضيات وأسدى إليّ ، بلطف، نصائح في هندسة الفضاء، ولم أقدر، فيما بعد، على مكاشفته بكوني أكتب، لكنني، في النهاية، حملته على قراءة روايتي الأولى. كان يتميز بلطف وبفضول، ليس متبجحا البتة تجاه الأشخاص الأصغر سنا منه، كبوريس فيان مثلا. أما بيرل فالتقيت به بطريقة غريبة للغاية: أشير في كتابي الأول إلى ابن عمّ جيرماني لبيرل ، مخلوق متجرد من الماديات، شاب عبقري، قضى نحبه وهو في ريعان الشباب، يدعى' هنري فرانك'، كان قد نشر كتابين أو ثلاثة لدى غاليمار، قبل حرب1914 ، أي في البدايات الأولى لدار النشر هذه . وكان بيرل مندهشا من كون شخص في عمري، له معرفة بحياة هذه الشخصية. لقد كان لقاؤنا، بالنسبة إلي، هاما جدا، فمنذ أن أصبح مراهقا، كان ذا معرفة ببروست ، وكان حديثه عن هذه الفترة يستهويني، كان بيرل رجلا عقليا، رجل أفكار، يختلف كثيرا عن كونو ، كنت أرتعب، قليلا، منه ، ومن ثقافته الفلسفية الواسعة بخاصة. أفكر في أندري جيد الذي كان يقول بأن المرء لا يشعر، أبدا، بأنه ذكي إذا كان في حضرة مالرو ... بيد أني أحسست، فيما بعد، بأن ما كان يهمه فيّ، هو، بالضبط، كوني أكتب روايات تخييلية.

منذ هذه اللقاءات الهامة، أيوجد من بين الكتاب المعاصرين من تحسب لهم حسابا، ومن بمقدورهم لعب دور هؤلاء' الحكام السريين' الذين لطالما تكلم عنهم ' جوليان غراك'؟

حين نبدأ الكتابة ونحن في أول الشباب، فإننا ، في الواقع، نكتب ونحن نفكر في كتاب أكبر سنا، ينتمون إلى جيل آخر. وإذا شئتم، فإننا نكتب ونحن نفكر في ما سيقولونه إذا ما قرأونا. وبصراحة ، فإنني أفكر كثيرا في غراك، بما أنكم تحدثتم عنه. إن غراك ، إلى حدّ ما، آخر الفحول، إنه ينتمي إلى جيل أولئك الذين يمكنهم أن يشكلوا آبائي. أما في الجيل الذي يتوسط بين جيل غراك وجيلي، فإنني لا أرى في فرنسا من يمكنه أن يلعب هذا الدور. إن جيل غراك وجيل هؤلاء الكتاب الذين ولدوا في مطلع 1910، هو آخر جيل فرنسي كبير، قوي وبارز جدا، لا مراء في ذلك: غراك وجان جوني وألبير كامو إلخ، كل هؤلاء الذين كانت سنهم تتراوح بين 25 و 30 أوان الحرب، وفيما بعد، ثمة مشكل مطروح: هو أن جيل الرواية الجديدة لا يملك هذا النوع من الحضور البارز. كان لي تبادل قليل للرسائل مع غراك، بيد أني أعرفه تمام المعرفة، وأتخيل، تماما، حالته إلى الحد الذي لا يجعلني، ربما، محتاجا للقائه. لا أرغب في إزعاجه، فالأمر بيننا تخاطري نوعا ما..

كيف تنتقلون من كتاب إلى آخر؟ أهناك كتب تحسونها قريبة منكم أكثر من الأخرى؟

أعود، دائما، من كتاب لآخر، إلى بعض العناصر التي سبق أن فكرت فيها قبل خمسة عشر عاما في صورة تفاصيل صغيرة والتي لم تعالج ، وقتئذ، سوى بطريقة سطحية. إنها تنبثق، فجأة، مثل أشياء كانت كامنة أصلا، من دون أن أدركها. إنها تعاود الظهور مثل لازمات. ويبدو لي، في هذا الصدد، أن كتابي ' حادثة ليلية' قريب للغاية من الجو العام لكتابيّ الأخيرين. أما كتبي الأولى، التي كتبتها وأنا في أول الشباب، ليس لأنني لا أحبها، بل لأنها تجعلني أحس إزاءها بإحساس غريب، يكاد الأمر أن يشبه عرض صور العطل عليكم.. فقد يحدث هذا العرض صدمة، أو يمنحك إحساسا غريبا أثناء رؤيتها. حتى وإن كنا لا نتغير في العمق، فإن المرء يحس، بلا شك، أنه قريب جدا من الكتاب الأخير، لكن ثمة فشلا يعروه دائما، هو أن هذا الكتاب سرعان ما يترسخ، وليس بمقدورنا ، البتة، العودة إلى الوراء. أقول بأن الكتاب ' المثالي' يمكنه أن يتشكل من مقاطع معينة من كل كتاب من كتبي. وفي الواقع، يبدو لي أن في كل رواية، هناك دائما لحظة قيادة تلقائية تتضاءل ديناميتها. إن الأمر معقد، لكنه ، في ذات الوقت، لا يمكنه أن يكون غير ذلك.

منذ كتابكم الافتتاحي ' ساحة النجمة' حتى ' حادثة ليلية' اليوم، أتعتقدون أنكم تكتبون الكتاب ذاته؟؟

نعم، إنه كتاب ينكتب عبر مراحل كما هو الشأن في سباق الماراثون، أو إنه صورة يسعى مصور إلى أخذها من مختلف الزوايا. أعتقد أن هذا الإحساس مرتبط بعصرنا ، ففي القرن 19 وبداية القرن20 ، كان يوجد كتاب ما انفكوا يشيّدون كاتدرائيات، وإنني لأقول هذا من دون نزعة حنين إلى الماضي ، فعلى كل حال يستحيل على المرء أن ينسلخ عن عصره، وأن ينتمي إلى عصر آخر غيره.عن ' المجلة الأدبية' الفرنسية العـدد 424 تشرين الأول ( أكتوبر) 2003


أمبرتو أكابال يكتب قصيدة الأعماق

يوسف عبدالعزيز

حين انتهيت مؤخّراً من قراءة منتخَبات الشاعر الغواتيمالي (أمبرتو أكابال) ، الصادرة حديثاً عن دار أزمنة في عمّان ، والتي اختارها وترجمها إلى العربية الشاعر (وليد السّويركي) ، تحت عنوان (طردتُ اسمكً من بالي) اكتشفت قيمة أخرى عظيمة للشّعر ، والأثر السّحريّ المدهش الذي تتركه الكلمات في نسيج الحياة وحركة التاريخ، تلك المنتخبات كانت عبارة عن قصائد قصيرة وبسيطة ، ولكنّها كانت كافية لإذابة كلّ ذلك البهتان الذي جلّل حياة الهنود الحمر طوال أربعة قرون من الاستبداد، حقبة كاملة سقطت ، هي حقبة الاستعمار ، وشعّت من بين أنقاضها تلك الروح العذبة الجسورة ، روح الهندي الأحمر.

ينتمي أكابال إلى ذلك الطّراز من الشعراء البريّين ، الذين لم تساهم المدن في هندسة أرواحهم ، وانبجسوا للتّوّ من رحم أمّهم الطبيعة ، بعيون مرفرفة ، ورؤوس تلعب فيها الشمس. لم يخطّط أكابال كي يصبح شاعراً ، المأساة استدعته واختطفت قلبه الصّغير لترمي به في مدار النار.

محروماً من الطفولة نشأ الشاعر في قرية (مومسيتنانغو) أوائل الخمسينيات من القرن الماضي. في سنّ السادسة عمل كحطّاب صغير. في الثامنة من عمره ذهب إلى المدرسة ليتعلّم كتابة اسمه ، والسبب في ذلك حتى لا يسخر منه أولئك الذين يحتقرونه كهنديّ أحمر كما قال له والده، في المدرسة أغوته الكتب. كان قد فتنه كتاب بغلاف جميل ورسومات ملوّنة ، فسرقه. ذلك الكتاب كان حول حياة الموسيقار الألماني يوهان سباستيان باخ. في سن الثانية عشرة ترك المدرسة ، وغادر إلى العاصمة كي يعمل بائعاً متجوّلاً للسكاكر والعلكة. في هذه الأثناء: الكتب ستفتنه مرّةً أخرى ، وستقع عيناه على كتاب (صورة دوريان غراي) لأوسكار وايلد ، فيشتريه ويقرأه. سيقرأ مؤلّفات ديستويفسكي واستيفان تسفايغ. ذات ليلة حلم أنّه يؤلّف كتاباً ، وحين استيقظ في اليوم التالي خطر على باله أن ينفّذ ما رآه في الحلم ، وبالفعل فقد قام بكتابة عدد من المحاولات الشعرية ، جمعها بعد فترة في كرّاس. ذلك الكرّاس البدائي كان بمثابة باب صغير ولج منه إلى الشعر.

في هذه المختارات التي أهداها الشاعر إلى روح (محمود درويش) نسقط على عذابات الهنود الحمر ، على أوجاعهم وآلامهم ، واغترابهم حتى وهم يعيشون في وطنهم. ثمّة حياة كاملة منهوبة ، وطبيعة مخرّبة عاثت بها يد المستعمًر. من هذه الأجواء تنطلق قصيدة أكابال حادّة كالصرخة:

"شعلة دمنا تضطرمُ

لا تقوى على إخمادها

ريح العصور.

مكمّمون نحنُ

الغناءُ مكتومّ

البؤسُ في الروح

والحزنُ حبيس.

آه ، أريد أن أبكي عالياً،".

وهكذا فقد كان على أكابال أن "يغلق فم الصّمت" كما يقول في إحدى قصائده ، وأن يتحرّر ممّا يسميه ثقافة الخوف التي جثمت على صدر شعبه. أواخر السّتينيّات من القرن الماضي كانت الحرب الأهلية قد نشبت في غواتيمالا ، كانت تلك الحرب بمثابة كابوس مرعب حطّم حياة ستّة ملايين من الهنود الحمر. كان القتل في كلّ مكان ، والجثث تملأ الطّرقات ، وكان الانتقال من القرية إلى العاصمة محفوفاً بالمخاطر. جزء غير يسير من السكّان اختار الرحيل باتّجاه المكسيك ، أمّا الذين ظلّوا فقد كان عليهم أن يواجهوا الموت. عن سنوات الرعب تلك ، والتي امتدّت حتى أوائل الثمانينيّات يتحدّث أكابال قائلاً: "انقضت ليالْ كثيرة لم أستطع فيها النّوم. أحياناً كنت أشعر بأمانْ أكبر حين يكون الجوّ غائماً ، فقد بتّ أخاف ظلّي. غير أنّ ذلك لم يكن أوّل معرفتي بالخوف ، كنت أعرفه بالمعنى الثقافي".

أمام هذا المصير القاتم الذي وصلت إليه حياة شعبه يرتفع صوت الشاعر:

"إنّي أطلب الكلام ،

قلتُ الكلام

ولم أقل الميكروفون،

.......................

إنّي أطلب الكلام

وأريده بلغتي الأم"،. سالينجر: لم أمتلك الشجاعة لأقرر أنني لا أحد

في مواجهة عوامل القهر يلجأ الشاعر إلى القصيدة كمخلّص. والقصيدة لا يتلقّاها الشاعر بوحي ، ولا يعثر عليها في الطريق. إنّها تنبثق من أعماقه ، ولذلك فقصيدة أكابال يمكن لنا أن نسمّيها قصيدة السّفر في الأعماق ، أعماق الهنديّ الأحمر ، بكل ما فيها من حب وبساطة ومعتقدات وأساطير وتوحّد مع الطبيعة. لهذه الغاية يعمل أكابال في البداية على نسج قصيدته من خلال لغته الأم لغة الكيتشي مايا ، قبل أن يقوم بنقلها إلى اللغة الإسبانية. خلال ذلك يعمد الشاعر إلى اختراق اللغة الجديدة وتوسيعها لتحمل إرث الهنود الحمر. أحياناً يستخدم الشاعر بعض المفردات الهندية في قصيدته ، أحياناً يبثّها ببعض الرموز والأصوات. أحياناً أخرى يضمّنها شيئاً من القصص والأساطير. كل ذلك من أجل أن تنسجم القصيدة مع إيقاع الحياة الهندية ، وتتوحّد مع روح الهندي الأحمر:

"حين تتلبّد السّماء بالغيوم

أراها قريبةً ، قريبةً جدّاً

حتى لأخشى أن تغشاني ذات لحظة

فأغدو أنا ،

بين أرضْ وسماء ،

تيباشا".

(التيباشا بلغة الهنود الحمر قرص من شمع النحل يُستَخدَم في لعبة النّرد).

تُعَدّ الطبيعة واحداً من المكوّنات الرّئيسة التي تقوم عليها تجربة أكابال ، وذلك لما تتمتّع به من صفاء ومشهديّة ساحرة ، هذا بالإضافة إلى ما تمثّله من قيمة رمزية وأسطوريّة في حياة الهنود الحمر ، فقد كانت منذ القدم مسرحاً لتنقّلهم وإقامتهم وصلواتهم. فيها عاشت أرواح الأسلاف ، وبوساطتها تعلّموا كيف يقرأون لغة الطيور ، وكيف يستمعون إلى وشوشات النهر. في هذا المسرح المفتوح على الشمس والليل ، على الشجر والظلال والطيور تتجوّل ذاكرة أكابال ، وتسترجع الصّور:

"ببنطال رُقّع قفاه وركبتاه ،

بروح عارية وكسيرة

وعلى سرير من شوك

آنذاك

كانت السماء أقرب مما هي الآن

كنتُ أحتزّ النجمات

وألتهمها".

سنلاحظ هنا في غمرة هذا التّذكّر ، مجموعة من الصّور الواقعية التي يمرّرها الشاعر ، والتي يمكن لنا أن نقرأها بحياد ، ثم فجأة نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام الفخّ الشعري الذي نصبه الشاعر في نهاية القصيدة ، والمتمثّل في تقطيع النجوم والتهامها، المشهد الأخير رجّ المخيّلة ، وفتح القصيدة على فضاء شعري هائل.

فخاخ كثيرة سنسقط فيها ونحن نقرأ أكابال ، الذي يلجأ إلى التذكّر لا ليسرد علينا تاريخه الشخصي وتاريخ شعب الهنود الحمر في بلاده ، ولكن ليصبّ في أرواحنا مزيداً من الصّور المجنّحة الباذخة، في أحيان كثيرة تقترب مشاغل أكابال من مشاغل الفنّان التشكيلي ، فيحرص فيها على الألوان والظلال ، حتى لتبدو قصيدته شبيهة باللوحة ، يقول في قصيدة ظًلّ:

"ظًلّ: ليلّ صغير على قدمي شجرة".

وفي قصيدة أخرى بعنوان نشيد ملوّن يقول:

"تهبُ أوراق الأشجار الصّوت لوناً

لذا ، نشيد العصافير أخضر".

مثل هذه القصائد في كثافتها ، وألوانها وأصواتها تُذكّرنا بقصائد الهايكو اليابانية ، حيث يرسم الشاعر المشهد بأقل الكلمات ، ويعتمد في كتابته اعتماداً كبيراً على عناصر الطبيعة ، ولكن علينا أن نعرف هنا أن أكابال لا يرسم الطبيعة الصامتة بقدر ما يشحنها ويضخّ فيها الأحاسيس ، فترتعش وتتحرّك:

"لو تعلمين

ما حال قلبي:

حتى النّجمات

تبدو لي أزهاراً مريضة".

تلك الطبيعة الحارّة الطّازجة ما كان لأكابال أن يقبض عليها على هذا النّحو الحاذق ، إلا لأنّها أرض الطفولة الضائعة. الأرض التي جرى تخريبها طوال العهد الكونيالي. لقد تبدّدت تلك الأرض ، وأصبح الهندي الأحمر غريباً فيها ، وكان على أكابال أن يستعيدها بالشعر. عن تلك الاستعادة يقول الشاعر: "في كل قصيدة أستعيد طفولتي التي لم أعشها ، أو بالأحرى أحاول أن أستعيدها. أحاول استعادة القرية التي كنت أجوبها لأنقل الرسائل أو الحاجيّات أو لمجرّد متعة المشي فيها تحت أشعّة الشمس أو تحت المطر. كما أحاول استعادة سنيّ الشباب التي ذبلت وأبلاها العمل: في هذه الاستعادة تلتمع تلك الوهاد والأكمات في البال وتتموّج بكل تلك الفتنة والجلال حتى تبدو بمثابة فردوس سحري:

"هنا كانت الجنّة

ذرةّ ، حنطةّ ، فاصولياء ،

لم يكن ثمّة فاكهة محرّمة

كانت الأفاعي خرساء".

لن تتوقّف الأمور عند أكابال بمجرّد هذه الاستعادة الرمزية للأرض. هنا سيصعّد أكابال صوته ، وسيوسّع القصيدة التي يكتبها كي تتّسع لأمواج الغضب العارمة التي تنفجر في أعماقه ، وسيستعير أكثر من حنجرة كي يصرخ في وجه المستعمرين الذين أبادوا شعبه:

"العدالة لا تتكلّم لغة الهنود الحمر ،

العدالة لا تهبط حيث يسكن الفقراء ،

العدالة لا تنتعل الأحذية التي ننتعلها نحن الهنود الحمر ،

ولا تمشي حافية القدمين

على دروب هذه الأرض".

صوت الشاعر المرفوع بالاحتجاج هنا يذكّرنا بصوت سياتل ، ذلك الزّعيم الهندي الأحمر الذي ألقى خطبته المعروفة عام 1845 في مدينة سياتل الأمريكية التي سُمّيت باسمه لاحقاً ، وذلك حين انفجر بالصراخ فجأة أمام إسحق استيفنز حاكم مقاطعة واشنطن ، قائلاً على مسامعه: "لنا.. رُفات أسلافنا مقدّسات ، والثرى الذي يضمّهم جليل ، أمّا أنتم فتجولون بعيداً عن قبور أسلافكم ، وكأنما دون أن يعروكم ندم ، ودينكم كتبته أصابع ربكم الحديدية على ألواح حجرية بحيث لا تملكون له نسياناً ، بينما لا يملك الرجل الأحمر له فهماً ولا حفظاً. أمّا ديننا فهو أرث أسلافنا ، إنّه أحلام الرجال التي أوحى بها إليهم الروح العظيم في ساعات الليل البهيم.

التاريخ : 19-02-2010

http://addustour.com/ViewTopic.aspx?ac=\Supplement2\2010#COL2#2\Supplement2_issue862_day19_id214011.htm

قراءة في رواية ' السيدة من تل أبيب' للروائي الفلسطيني ربعي المدهون عندما ينتظر الكاتب طويلا ليقدم عملا مميزا

منذر رشراش

3/16/2010

في مقالة نشرت في بداية شهر شباط ( فبراير) الماضي في جريدة ' الأهرام' وفي معرض كتابته عن هذه الرواية التي نتناولها الآن في مقالنا النقدي هذا يتساءل الناقد المصري د. صلاح فضل عن السبب الذي يجعل روائياً مثل ربعي المدهون يتأخر كثيراً في نشر أولى رواياته، بمعنى أنه كان لربعي المدهون الوقت الكافي لنشر ' السيدة من تل أبيب' ـ وربما غيرها ـ وهو لا يزال شاباً ( فعمره الآن في الستينات).وفي هذا المجال نحيله إلى الروائي المبدع غابرييل غارسيا ماركيز الذي يدعو بل يلح على الروائيين أن ينتظروا كثيراً عند نشر رواياتهم ففي مقالة عن ' كيف تكتب رواية' يقول ماركيز: ' جاء الى بيتي في مدينة مكسيكو شاب في الثالثة والعشرين من العمر، كان قد نشر روايته الأولى قبل ستة شهور، وكان يشعر بالنصر في تلك الليلة لأنه سلم لتوه مخطوط روايته الثانية إلى ناشر. أبديت له حيرتي لتسرعه وهو لا يزال في بداية الطريق، فرد عليّ باستهتار ما زلت أرغب في تذكره على أنه استهتار لا إرادي: ( أنت عليك أن تفكر كثيراً قبل أن تكتب لأن العالم بأسره ينتظر ما ستكتبه، أما أنا فأستطيع أن أكتب بسرعة، لأن قلة من الناس يقرؤونني). عندئذ . . . فهمت . . . فذلك الشاب قرر سلفاً أن يكون كاتباً رديئاً، كما كان في الواقع، إلى أن حصل على وظيفة جيدة في مؤسسة لبيع السيارات المستعملة، ولم يعد بعدها الى إضاعة وقته في الكتابة ' . ويوضح ماركيز وجهة نظره بقوله لاحقاً إن كتابة القصص القصيرة ' أشبه بصب الاسمنت المسلح . أما كتابة الرواية فهي أشبه ببناء الآجر'.إن هذا ما آمن به وطبقه الروائي الفلسطيني ربعي المدهون لتظهر روايته ' السيدة من تل أبيب' بهذا الشكل والمضمون المميزين.

خطوات أولـى:

ليست هذه الرواية أول رواية يتناول فيها كاتب فلسطيني رحلة العودة إلى فلسطين سواء الضفة الغربية منها أو قطاع غزة، إن بعض الروائيين تناولوها من قبل وأستحضر الآن مثالاً على ذلك الشاعر الفلسطيني المعروف مريد البرغوثي في كتابه الصادر عام 1998 عن المركز الثقافي العربي وكانت بعنوان ' رأيت رام الله' وفيه يتحدث عن رحلة عودته إلى الضفة الغربية ورام الله تحديداً مع موجة السياسيين والمنفيين والأدباء والكتاب وغيرهم والذين عادوا إلى البلاد عقب اتفاقيات السلام، وأبرزها اتفاقية أوسلو، غير أن موضوع ذلك الكتاب السردي يختلف فالكاتب ربعي المدهون يعود إلى غزة عقب الاتفاقيات بزمن طويل وهدفه ليس الحنين ورؤية البلاد فقط، هدفه رؤية أمه الذي ابتعد عنها أكثر من ثمان وثلاثين سنة إضافة إلى رغبة الكاتب والصحافي وليد الدهمان لتكملة روايته التي يكتبها ووضع نهاية لعادل البشيتي ورغبته في الزواج من ليلى الدهمان في أواخر العمر.إذن فالهدف يفترق عند المدهون عنه عند البرغوثي وإن كانا في العموم يتفقان.يركب الطائرة وفيها يلتقي بالفنانة الإسرائيلية دانا أهوفا العائدة من لندن للهروب من نور الدين ابن الحاكم العربي الذي تحبه ويكون الحديث وتبادل الآراء واختلاف العقليات والمفاهيم.يقول وليد الدهمان لدانا التي تبدو بآرائها مختلفة عن العقلية اليهودية والإسرائيلية إذ تقول: ' أتمنى أن يقوم سلام بيننا وبين الفلسطينيين، لقد تعبنا جميعاً، المشكلة هي في السياسيين عندنا وعندكم، شارون لا يريد السلام كذلك كان ياسر عرفات'. فيجيبها بقوله: ' كلهم يقولون ذلك في محاولة لاقتسام الجريمة والمسؤولية عن الدم الفلسطيني ( المباح لكل الأسلحة): المتطرفون عندكم والمتطرفون عندنا، أخرجوا من أرضنا، من برنا، من بحرنا، من قمحنا، من ملحنا، من جرحنا، من مفردات الذاكرة كما قال محمود درويش وتكفلوا بمتطرفيكم ونحن سنتكفل بمتطرفينا'. ثم يخلص إلى وجهة نظره وهي الرؤية التي يتبناها في هذه الرواية: ' أتمنى أن يخرج الفلسطينيون والإسرائيليون من ساحة الحرب إلى العيش المشترك، ونتمشى أنا وهي معاً في أوتوستراد طويل لا عداء فيه ولا معابر، لا اغتيالات ولا انتحاريين، لا مجندين ولا مقاومين، لا صهيونية ولا حركة تحرير وطني فلسطينية، لا انتفاضة ولا مستوطنات، لا شارون ولا عرفات، لا أبو مازن ولا شاؤول موفاز، لا شيوخ ولا مستوطنين، لا أباتشي ولا إف 16 ولا انتحاريين بل مسافران عاديان ( عابران في فضاء عابر)'.وتجيبه دانا: ' نحن يا وليد ظلان لمأساتين اجتمعتا في مكان واحد، ما حدث لنا ترك ظلالاً سوداء عليكم، وما يحدث لكم يصبغنا بظلال أكثر سواداً، شعبان لا يرتاحان أبداً، كلما هدآ ازدادا جنوناً'. يقول دايال صديق دانا في مذكراته: ' لن يكفوا ـ أي الفلسطينيين ـ عن الحبل بالانتفاضات وإنجابها حتى يكنسونا ويتخلصوا من احتلالنا .. لا أريد أن أموت عن احتلال غير شرعي وباهظ الثمن للطرفين أيضاً'. وفي النهاية يلخص كل شيء في جملته: ' هذه البلاد لا مستقبل لها، ملف جمعت أوراقه في ظروف معينة وقد تتغير في ظروف أخرى ويغلق إلى الأبـد'.هذه هي مفاهيم ربعي المدهون على لسان أبطاله وشخصياته الرئيسية وكما أرى:

إن وليد ودانا ظلان ـ بل دعني أقول ـ وجهان لعملة واحدة أو مأساة مشتركة كما يريدنا المدهون أن نؤمن به، وجهان كل منهما يفسر ويفلسف الأمور حسبما يرى ويعتقد لقضية الصراع الأزلية بين الفلسطينيين واليهود.

تصوير ونقـد لاذع:

وفي الرواية نقد مرير لكل شيء وكافة الأوضاع وكل الأماكن فها هو وليد دهمان يصور لنا بكاميرته ما يدور في المعابر الإسرائيلية ثم يخلص إلى النتيجة التي يريد تثبيتها وهي: ' إن الراوي مهما ذهب في التخييل لا يبلغ حافة الحقيقة، أن تسمع عن معبر إسرائيلي أو تكتب عنه، لن ترسم سوى ظلّ ٍ لها يكبر أو يصغر يقصر أو يطول بقدر ما تلقي عليه من ضوء أما الحقيقة نفسها فعصية على الخيال نفسه وعلى الرواة'. وفي غزة كانت الصور والمشاهد لكل ما هو جديد عليه ففي الفجر يصور لنا ما يجري عند الآذان فيقول: ' نمت قرابة الثانية فجراً، كأنني لم أنم إذ استيقظت بعد ساعة أو أكثر على أصوات آذان متداخلة متلاحقة متنافرة مثل أصوات فرقة موسيقية يحاول عازفوها ضبط آلاتهم قبل العزف. حوقلت ' لا حول ولا قوة إلا بالله' وحاولت النوم ثانية، بعد نصف ساعة أخرى انطلق الأذان بإيقاعات أكثر صخباً وتضارباً كأن المؤذنين ما يزالون يتمرنون عليه، دهشت: هل يصلون الفجر في غزة مرتين؟'. ومن ثم يعلق لأمه قائلاً: ' أربعون عاماً يا أمي لم يوحد الفلسطينيون منظماتهم ولا أعتقد أنهم سينجحون في توحيد الأذان خلال زيارتي هذه'. ويتسع المشهد الصباحي ويضم فقرات أخرى لم تكن مألوفة عند وليد يتابعها كلها ويقول: ' قررت العودة إلى النوم متجاهلاً كل ما يمكن أن يحدث، وغفوت مستيقظاً على أصوات محركات السيارات وعربات الخضار التي تجرها الحمير تثير ضجيجها الخاص الذي نسيت إيقاعه منذ أربعة قرون وعلى شواكيش النجارين وطرقات الحدادين تعلن بداية يوم عمل جديد، وفوق هذا كله لم تكن الزنانة ـ الطائرة الإسرائيلية التي لا يقودها طيار قد كفت أصلاً عن التأكيد طيلة الليل بأنها تستحق اسمها الشعبي، ولا الرصاص المتقطع عن تقطعه . صباحي الأول أصيب بالصرع فلم يترك النعاس ينعس في عيني ولا جعل اليقظة تستيقظ فيهما'. مثل شعاراتها التي ترفعها إلى مصاف الحقيقة ويصدق أصحابها أنهم يناقشون جوهر قضاياهم'. مجتمع يتفاعل معه طوال أيام زيارته ثم يصورهم قائلاً: ' أخذت أتأمل الجميع وفي داخلي يتمدد مشهد بانورامي عريض لغزة التي أزورها: هواء تحجب بروائح المجاري، بحر محجوب بالمستوطنات فلا يراه بعض سكانها، نساء محجبات بالسواد يعلن حداداً أبدياً على من رحلوا ولم يرحلوا بعد، عملة محجبة بالشيكل الإسرائيلي، دين محجب بأطروحات شيوخ المساجد الذين لا عدد لهم وشمس تشرق خلف كل الأحجبة باحثة عن وجه يطل عليها لتصبح عليه فتنكسر خجولة مما صار عليه الحال وتحتجب متعبة من طول بحثها' . ويطيل وليد بجولاته وبحثه عن أصدقاء الأمس ويرى ويعرف ما لم يكن يظن أنه سيعرف ويرى في يومٍ من الأيام وإذ يجيء موعد السفر وعودته إلى لندن نراه مثل ملهوف عليه يتعجله.

نقـاط مهمة في الرواية:

النقطة الأولى والمهمة تتعلق بالزمان والمكان في الرواية وأقول في هذا الخصوص أن جُل الأحداث في الرواية لم تتعدَّ فترة زمنية محددة ( ثلاثة أسابيع قد تزيد يومين أو ثلاثة ليس إلا) من بداية التحضير لسفره من لندن إلى غزة ووصوله هناك ومكوثه فترة ثم عودته ثانية إلى عاصمة الضباب مقر سكنه وعمله، أي أن الزمن محدد في أيام قليلة أما المكان فهو غير محدد ويتنوع ويتغير مع أبطال الرواية الرئيسيين ( وليد الدهمان ودانا أهوفا). وأثناء تتبع الأحداث وذكريات البطلين الوحيدين ينفتح باب الزمان والمكان على مصراعيهما ويتنوعان ويتغيران وهذا ديدن الروائي في كتاباته الإبداعية.النقطة الثانية تكمن في الشخصيات الرئيسية وأتساءل هنا: هل يمكن اعتبار شخصيات الرواية الرئيسية شخصيات ملحمية؟ وأقول ليس بالضرورة أن نعتبر شخصيات الرواية شخصيات ملحمية لأن الرواية بمجملها وبأحداثها ومضامينها ليست كذلك، هي شخصيات قوية تقوم بأعمالها وتتطور وتنمو ولكن لا تأخذ المساحة الشاسعة والمهيمنة للشخصية الملحمية التي نعرفها والتي كانت تتميز بها الروايات القديمة لبلزاك وزولا وغيرهما، أما في روايات القرن العشرين والحادي والعشرين الذي نعيشه الآن، فقد انتفى وجود هذه الشخصيات لأن الروائيين نحوها جانباً فروائي كبير مثل عبد الرحمن منيف يقول في هذا الصدد: ' إن بطل الرواية الفرد، الذي يملأ الساحة كلها، وما الآخرون الذين يحيطون به الا ديكورًا لإبرازه وإظهار بطولاته، ان هذا البطل الوهمي الذي سيطر على الرواية العالمية فترة طويلة، آن له ان يتنحى، وأن لا يُشغل الا ما يستحقه من مكان وزمان'، ( الكاتب والمنفى ص 76 ). إن الرواية الحديثة قد أصبحت كما يقول الناقد الفلسطيني الدكتور نبيه قاسم: ' عبارة عن بانوراما كبيرة متناسقة متكاملة تتوالى فيها الاحداث وتتداخل وتتباعد، ومثلها ايضا الشخصيات التي تقوم بأدوارها'. ومع ذلك يبقى وليد الدهمان ودانا أهوفا الشخصيتين المحوريتين في الرواية اللتين تأخذان حيزاً كبيراً فيها، ولست أدري لماذا يأتيني هذا الشعور، غير أنني أعتقد أن شخصية دانا اليهودية قد أثر فيها الكاتب نفسه وجعلها تدور في فلك محدد، أي أن الروائي ربعي المدهون قد رسم هذه الشخصية ووضع على لسانها ما يريده هو وبالتالي لا تستطيع أن تخرج عن المسار الذي جعله لها، فصعب جداً أن نرى فنانة مشهورة في عالم التمثيل على صورة وهيئة دانا التي تحب فنها والأضواء والجمهور وتؤمن بآراء الجميع والدولة الإسرائيلية ومعتقداتها أما أن تكون على الضفة الأخرى فهذا غريب بل ومستهجن. ممكن جداً أن تهوى ابن زعيم عربي ولكن من أجل هدف سياسي تقوم به لحساب الدولة والموساد وليس نزوة منها تدفع ثمنها في نهاية المطاف. والنقطة الثالثة والمهمة التي أود الحديث عنها في هذه المقالة هي قدرة الروائي ربعي المدهون على تجسيد الواقع وتصوير حياة أهل غزة والناس البسيطين فيها وتقديم شخصيات نشعر بالعاطفة معهم ونعيش معاناتهم اليومية عبر الأحداث والحوارات والكلام الشعبي الدارج لا بل إنه يستخدم اللهجة الشعبية في كثير من المواطن المهمة والحوارات وهذا يحسب له بشكل كبير. وأما النقطة الرابعة والأخيرة فهي الأسلوب الروائي والشكل الفني الذي استخدمه المدهون في روايته بحيث أنه قطعها أجزاءً وقدم السرد على لسان الأبطال الرئيسيين فمرة وليد ومرة دانا ـ هو وهي ـ فالراوي، نظام التقطيع هذا حديث في الرواية المعاصرة ويبدو أن الكثيرين من الروائيين قد أخذوا في استخدامه بشكل مميز.

خاتمـة:

وفي النهاية وكخاتمة للمقالة أقول أن رواية ربعي المدهون والتي اختيرت هذا العام ضمن الروايات الست المرشحة لجائزة البوكر العربية هي بكل صدق رواية مميزة في الشكل والمضمون ويمكن اعتبارها من أفضل الروايات التي نشرت في الآونة الأخيرة فهي مكسب عظيم للمكتبة العربية ومجرد ترشيحها لجائزة البوكر العربية اعتراف بكاتبها كروائي مختلف ومميز في عالم الرواية العربية المعاصرة.

Tnazmi96.jpg

عن الأردن ومبدعيه للكاتب العراقي عبد الستار ناصر

[21-Mar-2006]

الانباط

عبد الستار ناصر، مؤلف هذا الكتاب، روائي وقاص وناقد عراقي. أصدر عدة مجموعات قصصية من أهمها: لا تسرق الوردة رجاء، الكواش، في قطار السمك، سيدنا الخليفة، الحكواتي... وغيرها، أما في مجال الرواية فقد أصدر عددا من الروايات، من أهمها: نصف الأحزان، أبو الريش، صندوق الأخطاء، الطاطران. وكتب كذلك في مجال النقد الأدبي بعض الدراسات منها، باب القشلة، شارع المتنبي، بينما تناول جزءا من سيرته الذاتية ـ الأدبية في كتابه حياتي في قصصي، فضلا عن عشرات المقالات والأبحاث المنشورة في بعض الصحف والدوريات العربية. كتابه الجديد عن الأردن ومبدعيه، الصادر، أخيرا، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر(بيروت ـ 2005)، مع دعم من وزارة الثقافة الأردنية، يقف في منتصف المسافة بين النقد الأدبي وبين المذكرات اليومية والانطباعات الوجدانية عن السنوات الست التي قضاها ناصر في الأردن، ساعيا عبر هذا الدمج بين الذاتي والموضوعي إلى تسليط الضوء على تجارب بعض المبدعين الأردنيين، كما يشير العنوان، وكذلك الحديث عن عمان وبعض المدن الأردنية الأخرى، وهذا أيضا تأكيد للعنوان، فهو لم يعنون كتابه مثلا بـ مبدعو الأردن، بل عنونه بـ عن الأردن ومبدعيه ما يعني انه سيتحدث عن الأردن وعن مبدعيه معا.بنبرة وجدانية هادئة ودافئة يقود عبد الستار ناصر قراءه إلى صفحات كتابه إذ يمهد له بالحديث عن الأردن ومكانته في قلبه، يتحدث عن أجواء العاصمة الأردنية عمان، ومعالمها السياحية وأسواقها وحاراتها وضجيج الباعة في أزقتها، وطيبة أهلها، ليتذكر المرة الأولى التي زار فيها عمان مع والده عام 1964م، ثم في المرة الثانية مطلع التسعينات، ليعود العام 1999م ويستقر فيها حتى اللحظة التي دون فيها هذا الكتاب. فيقول:الحق أقول لكم، إنني أحببت عمان، بشرا ومدينة، فهي تملك كل ما تملكه بغداد من شجر وعواصف وأغنيات وشوارع خلفية ورماد وشاي وحضارة وعنفوان وشهرزاد وجاه وأسواق وخواطر ورغيف خبز وجرأة وضجيج، ولا ينقصها غير دجلة والفرات، ويسهب في الكلام عن الدهشة التي انتابته أمام ما رآه من غرائب في مدينة البتراء، ووادي رم، والجبال الشامخة، والآثار الخالدة الشاهدة على حضارة غابرة. فيقول ينبغي علينا ان نصدق المستحيل في مكان كهذا(يقصد البتراء)، وربما سنقترب من المعجزة التي جاء بها المكان المتوحد مع السماء والرب والتأريخ بعد هذا التمهيد الجغرافي ـ السياحي، إذا جاز الوصف، ينتقل ناصر للحديث عن بعض الكتاب الأردنيين لاسيما في مجال القصة القصيرة. الكاتب الأول الذي يختاره الباحث هو الراحل مؤنس الرزاز فيتحدث عنه بنبرة وجدانية مخلصة مستعيدا تلك الأمسية التي نظمها له الرزاز حينما كان رئيسا لرابطة الكتاب الأردنيين، ويخاطبه بحساسية أدبية أقرب إلى مرثية صديق غاب في سن الخمسين وهو لم يمل من الحياة بعد. . ثم ينتقل ليتناول المجموعة القصصية حقول الظلال للقاص الأردني المعروف الياس فركوح فيكتب عن تجربة هذا القاص قائلا: إن إلياس يشتغل بين طواحين الكلمات وفناراتها ونواعيرها، والمفردة مقدسة وثمينة بين يديه، لكنه يشتبك حتى مع نفسه إذا ما تعطلت لغة الكلام في قصة ما...، والمهم عنده هو جماليات الشكل..، أما المضمون فيمكن الكشف عنه أو تأويله كما انه يرفض ان يكون المعنى أو المغزى طوع اليدين فورا. ثم يقف الباحث عند المجموعة القصصية مطر آخر الليل لخليل السواحري الذي يصفه بـ صانع ماهر في إبداع قصة قصيرة ستحتفظ بأهميتها وأثرها إلى أمد ليس بالقريب، وهو اسم عربي عرفته وقرأت له منذ ثلاثة عقود واحترم تجربته وخبرته في هذا الحقل الصعب، مضيفا يبدو ان (مسخ) كافكا، و(غريب) ألبير كامو وقصص إدغار آلن بو كان لها نصيب كبير في تجربة السواحري المشغول في كتابته، بصورة أساسية، بالهم الفلسطيني. ويبدي الباحث إعجابه بالمجموعة القصصية أشجار دائمة العري ليوسف ضمرة الذي يجمع قصصه وأفكاره في مخزن شاسع وعميق بحسب تعبير الباحث الذي يضيف وهو مخزن من نوع آخر لا جدران له، تشعر أحيانا ان القصة التي يكتبها ضمرة تأتي من ذاكرة إنسان يعيش في عالم غير الوطن العربي، وتظن أحيانا أخرى أن بعض القصص كما لو أنها مترجمة عن لغة غيرها اللغة العربية، وكل هذا يؤكد على تنوع القصص واختلافها عن السائد المألوف الذي نراه لدى غيره من كتاب القصة.وفي حين يرى ناصر ان في بعض قصص الكاتب المبدع سليمان الأزرعي بعض طرافة برناردشو، وبعض إصرار مارك توين على كتمان سر مهنته ذلك ان قصصه تأتي على مستويات مختلفة، والمسافة شاسعة بين قصة وأخرى حتى كأنك تقرأ لكاتبين وليس لكاتب واحد، فإنه يدعو الكاتب الأردني المتميز محمود الريماوي ـ بعد أن قرأ له سبع مجموعات قصصية ضمها كتاب واحد ـ إلى كتابة الرواية بدلا من القصة، وفي تبريره لهذه الدعوة يرى الباحث بان القصة القصيرة هي فن الومضة أو هي عملية وخز خاطف، بينما تحتاج الرواية إلى الشرح وامتداد الزمان الذي تدور فيه أحداثها، وهو ما يناسب لغة الريماوي وأسلوبه في الكتابة.ويقول ناصر عن الكاتب مفلح العدوان بأنه يتمتع بخصوصية تتمثل في ان مضامين قصصه، كما في مجموعته موت لا أعرف شعائره، هي من نوع غير مألوف في القصة القصيرة العربية، فهو لا يكتب عن الأحياء من البشر وهم في المقهى أو في محطة القطار أو في بيت على جبل مائل، لا يكتب عن النساء ولا الرجال إلا مرة واحدة أو مرتين في هذه المجموعة، بل تراه يكتب عن أشياء نعرفها، بل نلمسها ونراها ونحيا معها، الطين، الحاسوب، التماثيل، حتى الطبل المجوف يمكنه أن يكون بطلا في قصته، وكذلك المزمار والموتى والقبور، وبهذا يحقق مفلح العدوان حالة من التميز والفرادة. وفق هذا المزاج الذي ينطوي على إعجاب واضح بعدد من الكتاب الأردنيين يمضي عبد الستار ناصر في الكتابة، فنراه يتحدث عن رواية ليلة الريش للروائي جمال ناجي، ويلقي الضوء على الكتاب النقدي جدل الإبداع والثقافة لعزمي خميس، ويستعيد بلمحة خاطفة الجهد الفكري الذي بذله المفكر والمؤرخ الأردني خالد الكركي في كتابه النقدي حول طه حسين والذي حمل عنوان طه حسين روائيا.ويتحدث عن القاص خليل قنديل عبر مجموعته القصصية عين تموز، كذلك يكتب عن المجموعة القصصية وليمة حرير وعش عصافير للقاص تيسير نظمي الذي يقول عنه:(كل أديب في العالم يتمني لو أنه كتب عملاً سبقه إليه كاتب آخر، فهذا أناتول فرانس كان يرجو لو أنه ( هو) من كتب رواية ( الدون كيخوته) لثربانتس، و جان بول سارتر كان يتمني لو أنه كتب إلياذة هوميروس، و حنا مينه كان يعشق ( موبي ديك) و تمني أن يكون مؤلفها، و نجيب محفوظ في أول حوار معه كان يتمني لو أنه ( هو) الذي كتب ألف ليلة و ليلة، و هكذا مع أسماء و قامات أدبية معروفة، تراها تحلم لو أنها هي التي أبدعت نصوص قامات عملاقة سبقتها إلي ذاك المنجز العظيم. و يأخذني الظن إلي أن تيسير نظمي كان يتمني بدوره لو أنه ( إدغار ألن بو) أو ( فرانز كافكا) ، عالم تيسير نظمي يغرق في البؤس و اليأس و اللعنات من الصعب أن تحسم أمرك بين أشواكه و مساميره و صخوره، إذ لا وقت للتأمل أو ركوب طوق النجاة في زحمة القهر الذي يطارد أبطاله في كل جزء من المكان الذي هو فيه. هناك مرارة علي طول الخط ، لا مكان للسعادة في عالم تيسير نظمي ، العالم مزحوم بالأخطاء و ليس من ثغرة نحو النور، يأس مطبق و خوف عارم مثل أمواج غاضبة تلتهم كل شيء في طريقها، و الإنسان في قصصه مأخوذ و مجذوب و غير مرغوب فيه، و البطل في هذه القصص دون أية بطولة ، ممسوخ ، مرعوب ، مطارد ، يكاد من ثقل همومه أن يسقط أرضاً حتي تكاد( أنت القارئ) أن تسأل نفسك: من أين يأتي هذا الرعب الذي يمسك برقاب شخوصه؟ أين تحيا تلك الكائنات و علي أي أمل تعيش؟ يقول خليل السواحري: " عوالم هذه القصص تشبه إلي حد كبير عوالم كافكا ، حيث يتحول المعقول إلي لا معقول و تغدو اللحظة النفسية عبئاً كبيراً علي من يعيها."..ويقول عنه وليد أبو بكر: " إنه أحد الكتاب المهمين علي المستوي العربي الذين لم يحظوا بشهرة يستحقونها و ذلك لأسباب سياسية)ويكتب عبدالستار ناصرعن تجربة موسى حوامدة في قصصه وحكاياه، وعن المجموعة القصصية المكان لا يتسع لحماقة للكاتب طلعت شناعة، وعن المجموعة القصصية أشجار شعثاء باسقة لياسر قبيلات. الكتاب بهذا المعنى يقدم لمحة بانورامية عن بعض الأدباء في الأردن، وخصوصا كتاب القصة القصيرة، ذلك ان الباحث عبد الستار ناصر يعشق هذا الفن أكثر من عشقه للأجناس الأدبية الأخرى، فيتناول في مؤلفه جانبا من تجربة هؤلاء، دون أن يزعم ان كتابه يقدم صورة وافية عن القصة القصيرة في الأردن، بل هو يشير بصورة واضحة في مقدمة كتابه إلى أن الكتاب لا يزعم الإحاطة بمجمل التجارب الإبداعية الأردنية المعاصرة بل هو جهد فردي بذله عبد الستار ناصر وفاء منه لبلد عشقه، ولكتاب قضى معهم أوقاتا جميلة، ولحظات عصية على النسيان. إذ يقول: هذا الكتاب الصغير الذي يجمع كوكبة من المبدعين الأردنيين بين غلافيه، ليس سوى موجة أولى من بحر سوف يتسع ويتسع دون ريب لبقية المبدعين.ويبدو أن عبد الستار ناصر في هذا الكتاب لا يستطيع التحرر من تعاطفه تجاه الكتاب الذين اختارهم، فهو قاص يعلم جيدا خبايا فن القصة القصيرة، لذلك يختار قصاصين استطاعوا أن يؤثروا في ذائقته الأدبية، وربما استطاعوا التأثير على أسلوبه أيضا. فالمجموعات التي يختارها الباحث هي تلك التي حركت في داخله شيئا، ليجد فيها ما هو جديد ومتميز، ومن هنا فان القراءات التي يقدمها الباحث لا تنحو باتجاه النقد الأكاديمي المتخصص والصارم بقدر ما هي انطباعات أدبية مرتبطة إلى حد بعيد بصداقة الباحث مع هذا القاص أو ذاك، ولا يعني هذا الكلام ان الباحث يقدم نوعا من المجاملة والكلام الإنشائي المنمق، بل على العكس ان هذه الانطباعات البعيدة عن المصطلحات النقدية المعقدة، وعن الأسلوب المنهجي الصارم غالبا ما تكون اكثر صدقا، وعفوية .يستخدم الباحث لغة رشيقة سلسة، ويتبين من خلال مواضيع الكتاب الخبرة الواسعة التي يتمتع بها عبد الستار ناصر فثمة إحالات مستمرة إلى عوالم روائيين وكتاب قصة قصيرة عالميين، وغالبا ما يعقد مقارنة بين قصص الكتاب الأردنيين وقصص أولئك المبدعين الكبار، وقد لفت نظره القاص تيسير نظمي الذي يستشهد ناصر بأقوال وشهادات الكتاب فيه حيث يقول خليل السواحري عن قصصه: "إنها تضعك في التفاصيل المرّوعة التي نمر بها جميعاً دون أن نلتقطها أو نلتفت إليها، و تلك هي مهمة القاص المبدع الذي تتحول اللحظة علي يديه إلي سرد قصصي مدهش، مفعم بالغرابة في سياق لغوي طازج" ويقر السواحري :" الحقبقة أنني كنت أجهل هذه الطاقة القصصية ذات المستوى الرفيع عند تيسير نظمي فقد عرفناه منذ أوائل الثمانينيات كاتبا سياسيا وناقدا أكثر منه أديبا مبدعا...." كما ان عبد الستار ناصر يفتتح دائما حديثه بحكاية قصيرة أو حادثة أو تعليق أو فكرة مستوحاة من الأدب العالمي، وهو أسلوب يجذب القارئ للمضي مع عبد الستار ناصر في مغامرته الأدبية هذه التي تنطوي على المتعة والمعرفة معا.

صحفي

اليسوعي اليساري

صبحي حديدي

5/16/2010

يتعرّض، حتى دون مناسبة محددة، لهجمات منسّقة منظمة تقودها جهات مزدوجة الإرتباط: مجموعات الضغط الصهيونية في طول الولايات المتحدة وعرضها؛ وما تبقى (وهو، للعلم، كثير وفير) من أصوات يمينية محافظة، قديمة أو جديدة، تدافع عن غزو العراق وأفغانستان، وترفع عالياً رايات الإمبراطورية العسكرية. ولا يُستغرَب أمر كهذا، ضدّ رجل تحتشد في سجلّه عشرات الوقائع، قولاً وكتابة وفعلاً، في مناهضة السياسات الإسرائيلية والأمريكية، وفي المساجلة ضدّ حصار الشعوب أو غزوها تحت ذرائع كاذبة منافقة زائفة.هذا الرجل هو الأب اليسوعي الأمريكي سيمون حراق، أحد مؤسسي منظمة 'أصوات في البرية'، التي تأسست سنة 1996، ورُشّحت لجائزة نوبل للسلام مرّات عديدة، ونهضت على قاعدة التحدّي السلمي لإجراءات الحصار الاقتصادي والإنساني التي فُرضت على العراق. وكان أحد أبرز الناشطين الأمريكيين الذين خرقوا ذلك الحصار، فسافر إلى العراق مراراً، وحمل ما تيسّر من أدوية للمشافي، وألعاب للأطفال، وكان الأمريكي الوحيد ضمن 500 مشارك في مؤتمر بغداد حول الحصار، أيار (مايو) 1999. وقد استقال من التدريس في جامعة فايرفيلد ليتفرّغ لهذه المهامّ، إلى جانب أنشطته في 'رابطة مقاومي الحرب' وحملة 'لا لتجّار الموت'، وله أربعة مؤلفات، أشهرها 'اللاعنف في الألفية الثالثة: الإرث والمستقبل'.الدوائر الصهيونية واليمينية المحافظة التي تترصّد مواقفه اختارت له لقب 'اليسوعي اليساري'، وهذه تقترن عادة بنعوت شتى تكميلية، مثل 'الخطيب الناري' أو 'القسّ المتطرّف' أو 'صديق الإرهاب'. لكنني إذْ أعود، مجدداً، إلى هذا الناشط اللامع، القابض على جمر مبدئي حارق مشتعل، فلأمر لا يتصل بالعراق، وإنما بذكرى النكبة، وفلسطين ما قبل الإستيطان اليهودي وإقامة الكيان الصهيوني. الحكاية تعود إلى مثل هذه الأيام، قبل عشر سنوات، حين أذاع برنامج 'الرحّالة العليم'، الذي تبثه الإذاعة الأمريكية الشعبية NPR، انطباعات الإعلامية والمذيعة ماكسين دافيز عن رحلات ذويها إلى الأراضي المقدسة، وكيف 'شاهدوا إسرائيل حين كانت ما تزال صحراء، واليابان بلا سيارات'.الأب حراق أرسل إلى الإذاعة ردّاً ذكياً، بدأه هكذا: 'في أيّ زمن سافر هؤلاء إلى إسرائيل حين كانت ما تزال صحراء؟ لا يمكن أن تكون الرحلة قد جرت في العام 1946، ففي تلك السنة سافر إلى فلسطين والتر لاودرميك، نائب رئيس مصلحة حفظ الأراضي الأمريكية، وتفقد البلاد، وعاد ليقارنها بولاية كاليفورنيا، مع فارق أنّ التربة في فلسطين أفضل بكثير'. ولا يمكن أن تكون الرحلة، تابع الأب حراق، في العام 1945 حين كانت فلسطين تضمّ 600 ألف دونم من الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون، تنتج 80 ألف طنّ من زيت الزيتون، أي ما يعادل 1' من مجمل الإنتاج العالمي. وليس سنة 1943، إذْ كانت فلسطين تنتج 280 ألف طنّ من الفواكه؛ وليس 1942، حين أنتجت البلاد 305 آلاف طن من الحبوب والخضار؛ وليس 1939، حين صدّرت فلسطين 15 مليون صندوق من الحمضيات...ولكنّ، يتساءل الأب حراق، لعلّ أهل الآنسة دافيز سافروا إلى فلسطين قبل أكثر من 60 عاماً. فهل كانت صحراء عندئذ؟ يصعب أنهم سافروا في مطلع العقد الأوّل من القرن العشرين، فوجدوا الأرض صحراء، لأنّ موشيه دايان نفسه أشار إلى أنّه 'ما من قرية يهودية إلا وبُنيت على أنقاض قرية فلسطينية، ولا يوجد مكان واحد بُني في هذه البلاد ولم يكن قبلئذ مسكوناً من قبل العرب'. أهي سنة 1893؟ غير ممكن، لأنّ 'القنصل البريطاني نصح حكومته باستيراد أشجار الفاكهة من يافا، لتحسين الإنتاج في أستراليا وجنوب أفريقيا. سنة 1887 غير واردة أيضاً، لأنّ لورنس أوليفانت (رئيس الوزراء البريطاني آنذاك) أصيب بالذهول وهو يطلّ على أحد وديان فلسطين، فأبصر 'بحيرة هائلة خضراء من سنابل الحبوب المتموّجة، وروابي متوّجة بالقرى تنهض من قلبها كالجُزُر، وصورة مذهلة عن خصوبة عامرة'.وليس بين أعوام 1850 و1821، لأنّ الجغرافي الألماني ألكسندر شولش اكتشف، حينذاك، أنّ فلسطين تصدّر كميات كبيرة من الفائض الزراعي إلى الدول المجاورة، وإلى أوروبا. وأمّا في العام 1859، فإنّ المبعوث البريطاني كان قد وصف الساحل الجنوبي من فلسطين بـ'محيط عباب من الحبوب'؛ وكذلك ليس 1856، لأنّ هنري غيلمان، القنصل الأمريكي في القدس، اقترح استفادة مزارعي الحمضيات في فلوريدا من التقنيات الفلسطينية في التطعيم. فهل يعقل أنّ أهل دافيز زاروا فلسطين في القرنَين الثامن عشر والسابع عشر؟ كلا، فالاقتصادي والمؤرّخ الفرنسي بول ماسون اعترف أنّ استيراد القمح من فلسطين أنقذ فرنسا من مجاعات عدّة. في زمن أقدم ربما؟ لا يعقل، لأنّ الرحالة والأديب الإنكليزي جورج سانديز كان، في عام 1615، قد وصف فلسطين بـ'الأرض التي تسيل حليباً وعسلاً ، حيث لا بقعة تخلو من الحبور والنفع'؟والحال أنه كان في وسع الأب حراق أن يقتبس عشرات البراهين الأخرى على عمران فلسطين (يمكن الرجوع، في هذا، إلى مجلّدَيْ عيسى نخلة 'موسوعة المشكلة الفلسطينية'، 1991، بالإنكليزية)، لولا أنه كان، على الأرجح، يردّد في قرارة نفسه: لقد أسمعتَ لو ناديتَ حياً!

Fadel-Rubaiy-book.jpg

فاضل الربيعي: التوراة جاءت من اليمن

علي السقا

27/08/2010

في القدس ليست أورشليم يواصل الكاتب العراقي مشروعه البحثي الأثير، مؤكّداً على أنّ مسرح التوراة ليس فلسطين التي نعرفها. يفكِّك الربيعي النص التوراتي لغوياً وجغرافياً، ليخلص إلى أنّ تأويله ليس إلا بدعة استشراقيّةفي القدس ليست أورشليم (دار الريّس) يفكّك فاضل الربيعي أسس الرواية التاريخيّة اليهوديّة. يقارن المفكر والكاتب العراقي بين التوراة والترجمات القديمة والمعاصرة التي واكبت الطموح الاستعماري للمنطقة. كتاب يندرج ضمن مشروعه الأثير في تحليل التاريخ والأسطورة والنص الديني، كما فعل في إصدارات سابقة مثل فلسطين المتخيّلة ـ أرض التوراة في اليمن القديم (دار الفكر).في القدس ليست أورشليم يغوص في الجذر اللغوي للنص العبري، وفي مرويّات الإخباريين والشعراء العرب عن البلاد العربية، تاريخها وجغرافيتها، دياناتها وقبائلها. يبني الكتاب أطروحته الرئيسيّة على أنّ القراءات الاستشراقية للتاريخ، طابقت تعسّفاً بين تاريخ فلسطين وأحداث التوراة. إذ يرى أنّ التوراة كمصدر تأريخي، أُوّلت تأويلاً يهدف إلى صناعة مادّة تاريخية مزوّرة، تجعل فلسطين مسرحاً للتاريخ اليهودي... وبالتالي أرض إسرائيل الموعودة.فهل أورشليم هي القدس فعلاً؟ ليس في الرواية التوراتية ما يدعم هذا الاعتقاد بحسب الربيعي. النص العبري يتحدث صراحة عن وجود مدينة تدعى أورشليم (دار السلام) دخلها النبي داود إثر احتلاله مدينة بيت بوس بعد معركة كبرى.وبحسب الكاتب، فإنّ بيت بوس المدينة المحاذية لأورشليم ليست القدس بل هي مكان جبلي يمني في منطقة الجوف، على الطريق المؤدي إلى صنعاء. ويشير الباحث إلى أنّ أبو محمد الهمداني (893 ــــ 947) أعظم جغرافيي جزيرة العرب في عصره، أسهب في وصف هذه التفاصيل، وإذا بها تطابق تماماً ما ورد في النص التوراتي. ففي كتابه صفة جزيرة العرب، يكتب الهمداني: ثم الجوف وهو منفهق من الأرض بين جبلين... إلى الحقلين والسهلين... فبيت بوس وجبل نقم وما بينهما من حقل صنعاء.أمّا القدس فيشير الربيعي إلى أنّه يستحيل وقوعها جغرافياً قرب جبل صهيون حيث مدينة أورشليم. فالقدس المزعومة استناداً إلى تأويل خاطئ ليست ذاتها قدش ـ قَدَس تعني المكان المقدس وأطلقها اليهود على أماكن عدة صفة للتبريك. فقدش ـ قدس الواردة في التوراة تقع قرب جبل برنيع وجبل الأموريين في اليمن وليس في فلسطين!يشير الربيعي إلى أنّ التأريخ لفلسطين يخضع لقراءة اسشراقيّة مزيّفة، احتضنتها كتب التاريخ العربيّة من دون تدقيق أو تمحيص. وهو الرأي الذي قال به المؤرخ اللبناني كمال الصليبي في كتابه خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل، إذ أشار إلى أنّ مضمون التوراة لا يستقيم إلا إذا أعيد النظر فيه جغرافياً. فالأكثرية الساحقة من أسماء الأماكن التوراتية لا وجود لها في فلسطين، والأقلية الموجودة منها هناك لا تتطابق من ناحية الحدث مع تلك المذكورة بالأسماء ذاتها في التوراة. يستطرد الربيعي في تجريد الرواية الصهيونية من مقوماتها، مركزاً على حدث السبي البابلي. ويشير في هذا الصدد إلى أنّ القبائل اليهودية التي دوّن أسماءها النبي عزرا بعد عودتها من السبي، لم يعرفها التاريخ، لا لغوياً، ولا حتى في النقوشات البابلية والآشورية والفارسية. كما لم تعرف المواضع والأماكن المذكورة التي تنسب إليها هذه الجماعات. حتّى أنّ الباحث يؤكد أنّها أسماء لقبائل عربيّة ـ يمنيّة كبني شعرائيم وشلمه في العبرية، أو الشعراء وسلمه في العربية.ويلفت الكتاب إلى أنّ اليهود واجهوا إثر تحريرهم من السبي على يد الفرس عائقاً صعَّب عليهم إعادة ترميم ما تهدّم من أورشليم في بلاد اليمن. وتمثل هذا العائق في قبيلة كانت تتعبّد ـ مثل قبائل بلاد طيّ الوثنية ـ للإله فلس، فنسبت إليه وسمي بنوها بـالفلستيين. وقد نشب بينها وبين اليهود قبل السبي وبعده معارك طاحنة، وتصفها التوراة بالمجرمين وآكلي السحت. فكيف توصَّل المستشرقون إلى اعتبار الفلستيين في النص العبري هم أنفسهم الفلسطينيون؟ علماً بأن العبرية تعرف حرف الطاء، وليس هناك من داع للاستعاضة عنه بالتاء. كما أنّه لا مبرر ليتجاهل الجغرافيون اليونانيون، في دراستهم للجزيرة العربيّة، شعباً اسمه فلسطينيون إذا كان موجوداً فعلاً. لكنّ الأمر برمته، بحسب الربيعي، لا يعدو كونه بناء الصيهونية روايتها التاريخية حول حرب خيالية ضد الفلسطينيين في عصر شاوول، وذلك للبرهنة على أنّ مملكة إسرائيل واجهت لحظة ولادتها الجديدة في العصر الاستعماري، العدو القديم نفسه.



Oras Alsilawi (Ghassan T. Nazmi) 2008
 
       1     2     3     4     5     6     7     8     9    10  

 11    12    13    14    15    16    17    18    19    20    21  

 22    23    24    25 
    
free counters