|
رواية وقائع ليلة السحر
4 3 2 1
Magic Night Events
Multilingual multicultural fiction New short story by Tayseer Nazmi
مناقيش بعيدة
إلى رولا فتال
قصة تيسير نظمي
قالت وعيناها دافئتان بالمعنى والفهم والترقب:
· إنها قصتك ، ألم تحس بذلك ؟
وبقيت تنتظر ردة فعلي على عرضها المسرحي . أما أنا فأبقيت عينيّ على العرض الذي أخرجته هي وتنتظر مني الآن أن أبدي وجهة نظري به سلباً أو إيجاباً وفي نفس الوقت كنت قد أدركت من نغمة صوتها بصدق أن ثمة فهم خاص ما يزال عميقاً من نظرة عينيها ومن دفء صوتها الذي خاطبتني به عاتبة على هذا الصمت الذي أوصلني إليه العرض.أدركت ان كثيراً من المعاني الإنسانية ما تزال دفينة لديها و لم يتمكن العرض الذي أخرجته بنصه و قدرات ممثليه و طريقته من إيصال كل ما لديها إليّ أو للحضور . لذلك بقيت صامتاً طالما أن العرض يتعلق بالمرأة. وقبل أن نقول شيئاً آخر حان موعد تحرك الحافلة التي ستغادر بها و بفريقها المسرحي إلى دمشق فودعتها على أمل أن أفرغ بعد جلبة المهرجان و اختلاط الحابل بالنابل مما هو غير حقيقي و أن أتصل بها هاتفياً كي أتعرف إليها أكثر.
" إنها تجربتك، ألم تلحظ ذلك؟"
و بعد أسبوع أدرت ذات مساء أقراص الهاتف الدولي فاستجاب في الحال بسرعة تمنيت لو ترددت قليلا أو كان خطها الهاتفي مشغولاً بمكالمة أخرى.
· ألو مساء الخير
· مساء النور ،
جاء الصوت طفولياً لأعرف فيما بعد أن المتحدثة على الطرف الآخر تكون إبنتها .
· و متى ستعود الماما عمو؟
· خلال ساعة، و ستأتي لنا بالمناقيش التي وعدتنا بها.
· إذن ابلغيها أنني سأتصل بعد ساعة أو بعد ساعة و نصف ريثما تأكلون المناقيش مع الشاي الساخن،
فضحكت إبنتها الكبرى مقترحة أن أتحدث أيضاً إلى أختها الصغرى فأكون قد تعرفت على العائلة و كنت قد علمت من المكالمة الأولى أن الصديقة تعيش لدى والدتها مع أطفالها دون وجود علاقة زوجية سابقة و دون عيش والد بناتها معها فازددت تفهماً لها و لم تعد علاقتي بها منذاك علاقة كاتب أو ناقد بمخرجة مسرحية. ثمة معاناة إذن وراء العرض المسرحي تجعل القصة اثنتين في واقع تجربتها هي و ربما من واقع تجربتي أنا أيضاً الذي كف منذ زمن طويل عن لعب دور الزوج في حياته المتأخرة في السن و الذاهبة عميقاً في العزلة.
بعد ساعة ونصف أعدت الاتصال فاستجاب الهاتف بسرعة أيضاً .
· مرحباً عمو.. هل عادت ماما؟
و فجأة أسلمت الفتاة سماعة الهاتف لجدتها لأمها.
· مساء الخير ياابني
· مساء النور.. كيف حالك و كيف صحتك؟
ثم قمت بالتعريف بنفسي فلقيت الترحيب المناسب و الاعتذار عن تأخر إبنتها التي ذهبت بمفردها لإحضار المناقيش. و لم أخف قلقي رغم أنني و والدتها حاولنا كل أن يبعث الطمأنينة في نفس الآخر حول التأخير في جلب المناقيش. فلربما التقت في طريق الذهاب أو الإياب بصديق أو صديقة و انخرطا في حديث و شجون المسرح و الإخراج و المهرجانات أو الاتهامات و كل ما هو مأمول و مرتجى في نفوس و عقول و أحلام الفنانين. و هكذا أعربت محدثتي أيضاً عن شكرها لاهتمامي و عن قلقها على موازنتي الهاتفية حيث أن المكالمات الدولية عادة ما تكون مكلفة لأمثالنا عندما يتحدثون بحميمية و دفء لا يحسب للمال حساب في مثل هذه الحالات. أغلقت السماعة و قد ازداد قلقي على تأخرها.
في الساعة الثانية عشرة ليلاً اتصلت رغم أننا اتفقنا في نهاية المكالمة الثانية على أن ترن رنة واحدة على هاتفي لتشعرني بعودتها عندما تعود و المناقيش التي أشك أنها ما تزال مناقيش ساخنة صالحة للأكل الشهي في تلك الساعة . رن الهاتف عدة رنات دون أن يجيب عليّ أحد أو أن يرفع السماعة على الطرف الآخر فأرجأت الاتصال لليوم التالي معللا ذلك بأنني ربما تأخرت في الاتصال الثالث و ربما ذهب الجميع في النوم و ربما لا يكون هاتفهم بقادر على الإرسال الدولي. لكن هذه التعليلات كلها لم تكن مقنعة لي تماما و كانت مجرد تبريرات لما هو غامض و مقلق، خاصة و أنها المبادرة الأولى لي في الاتصال بأي كان بعد نهاية المهرجانات التي تجعلنا أقرب إلى الإفلاس المادي منا إلى الأنتعاش . و عادة ما نحقق الانتعاش الفكري و الروحي و نحقق دفء الإنسان بالإنسان في حياتنا الوجدانية و الفكرية و الروحية التي نعيشها في الفن و الثقافة دون أن نكون قادرين على التجارة الحقة في حياتنا و تحقيق المكاسب المادية و الضرورية لتسيير عجلة الحياة بشكل اعتيادي. قلت لنفسي " يالها من مناقيش تلك التي ذهبت لتشتريها" و وضعت احتمالات أخرى لنوعية طازجة و مميزة منها و أبعدت المسافة ما بين منزل الصديقة و المطعم الذي يصنعها. بل تخيلت أن الصديقة ذهبت بعيداً بعيدً في جلبها و ربما إلى حيفا لولا أنني أدركت استحالة هذا الاحتمال لأن الصديقة لا تستطيع الذهاب إلى حيفا أو يافا أو عكا لمجرد شراء طبق من المناقيش لعدة أفراد . و في الشهر التالي دون أن يرن هاتفي و دون أن يتصل بي أحد طوال تلك الفترة أدرت قرص الهاتف قبل أن يفصل و قد فرغ الجيب تماماً من إمكانية سداد فواتيره، لأسمع ذات الإجابة : " ذهبت لشراء مناقيش يا ابني و لم تعد"
و فجأة أدركت أن المناقيش التي ذهبت صديقتي لشرائها ليست كأية مناقيش عادية. ليست متوفرة لا في سوريا و لا في الأردن و لا في أميركا و لا في أوروبا و لا في كل الأماكن التي نعرف. إنها المناقيش التي هي تعرف و التي هي تريد و التي هي تحلم، فكل ما أعلم حتى الآن رغم مرور سنوات على تلك المكالمات و بعد أن انقطعت عني كل أخبارها و بعد أن لم يعد لديهم هاتف يرن أو لدي هاتف يرسل أنها مناقيش بعيدة مناقيش بعيدة فقط مناقيش فقط بعيدة
OUR DONKEY DESIRES NOT YOURS
BY TAYSEER NAZMI (IN ARABIC)
"The Story of an Hour" by Kate Chopin
The Enormous Radio
John Cheeve
HILLS LIKE WHITE ELEPHANTS
by Ernest Hemingway
The Lottery ByBy Shirley Jackson
A GOOD MAN IS HARD TO FIND by Flannery O'Connor
ARABY by James Joyce
A&P by john updike
THE SECRET LIFE OF WALTER MITTY
by James Thurber
Everyday Use by Alice Walker
The Yellow Wallpaper by Charlotte Perkins Gilman, (1899)
بيت الذبابة قصة قصيرة بقلم : تيسير نظمي
لا بوازع أخلاقي و لا برفق أدعيه أبقيت على حياة ذبابة صغيرة اكتشفت وجودها المؤنس على مقربة من وحدتي اللامتناهية. لم يكن الجو يوم ذاك قائظا إلى الحد الذي يستفز الذباب و لا كانت ثيابي متسخة. لم يكن ما حولي يبرر لأية ذبابة أن تتحرك فوق أجواء صمتي النحاسية. بل كنت ساهما، كعادتي، أتلمس بعيني عالمي في عزلة تنزلق على جدرانها أنثى العنكبوت و لا يألفها ذكر العنكبوت في عزلتي، لا اسمح ، كعادتي، بأي تزاوج يخل بالسلام و السكينة التي أحصل عليها بشق الأنفس وسط عالم متسارع في أجواء تشهد سقوط عشرات الذكور من العناكب كي تستمر إناثها حفاظا على ناموس الكون و استمرارية الأنواع، سواء كانت هذه الأنواع نحلا أم ذبابا أم عناكب. فقد دربت نفسي منذ الصغر أن أكون مطلق الأنانية عندما يحين وقتي الذي التحم فيه بصمتي واسمع به دقات قلبي و ليس دقات ساعة بليدة من الوقت. هكذا أنا الأصلي، قطعة من السكون المظلل بظلام شفاف تتماوج في عيني ألوان من الأسى والخسارات الممتزجة بالسماوي و أحيانا اللازوردي أو الكحلي الغامض الذي نادرا ما يزورني أو يهمس في خيالي بغير المتوقع و المعقول و الممكن. و لأن الأمر كذلك، فقد أبقيت في عام ،،1977 في التاسع من آذار على حركة ذبابة صغيرة وحيدة، أشفقت جدا على عينيها الحزينتين اللتين رأيت فيهما بقدراتي الذهنية المجهرية أنهما تنتميان لمسحة حزن ظليل حدد لي سماتي النفسية و الإنسانية منذ الخليقة بأكثر مما حدده لي حمض الـDNA اللعين. هي غير ضارة و غير مزعجة، لا طنين لها يعلو أكثر من طنين الصمت و آلام البشرية التي لا يسكنها غير الموت القديم العتيق الأصيل الواقعي الصلب الجيولوجي المتراكم الطبقات من الأجيال والشعوب إناثها بذكورها صغارها و شيوخها المسنين. هكذا تهاتفت النفس مع النفس نافية فكرة استخدام وابل من الكيماويات و المبيدات المخترعة في مصانع الموت ضد ذبابة صغيرة لا حول لها و لا قوة. و هكذا راق لها رغم صغر السن أن تتغذى على الطمأنينة الثقيلة و الهواء الثقيل الذي أكاد أتنفسه بشق الأنفس نتيجة لإصابتي المزمنة بانخفاض الضغط و نقص الأملاح و هبوط الروح التي أجدها أحيانا بين قدمي كعثرة من العثرات التي لا تنتهي أو تزول من دربي. روحي اعرفها منذ أمد بعيد، كرة قدم معدنية غير قابلة للطيران أو التدحرج فوق سطح عالم دبق يأسرها في صدري كمعيق لاستنشاق الهواء الطلق العليل المليء بأوكسجين الحياة الدافق. و هكذا فكرت بمسؤولية عالية أنني قد أتحمل مسؤولية انجذاب تلك الذبابة الصغيرة إلى روحي الكسلى عن الحياة. فلست بغباء ذكر العنكبوت كي اقبل دون حكمة أو تعقل على الحياة كي أرشف منها رشفة الموت اللعينة. منذ الصغر كنت أتجنب الأنثى. أراقبها عن بعد إذا كانت جميلة. أشاركها الأسى إن لم تكن جميلة و أستبقي لحظة عينيها بخيالي و بسمتها أو صوتها لمسراتي الخاصة دون أن أقترب و أخوض فيها و في غموضها أو انقلاباتها المسكونة بمفاجآت الملل أو الروتين أو الغدر كما لو كانت بمثل ما يقال عن مثلث برمودا. فكيف لي أن أقترب إذا ما كنت عارفا بأسرار أنثى العنكبوت التي يقتل ذكرها بعد ليلة الدخلة فتواصل العيش دونه و دون فحولته الغبية. و ما دامت ذبابة فلم أكترث في الرابع عشر من نيسان إن كانت تلك الصغيرة من ذكر الذباب أم من أنثاه، فقلما خطر ببالي تفحص الذباب أو التفرقة حسب الجنس أو اللون فقد أدركت أنها صغيرة و غير مؤذية و هادئة بل ووديعة لا طنين لها يعلو على طنين الروح الثكلى أو الزمن النائم أو السكون المنصوب فوق روحي مثل خيمة في لهيب صحراء الربع الخالي. و هكذا آنست فيها مؤنسا لعالمي الذي اتسع للضواري و الوحوش فكيف لا يتسع لذبابة! وما أن عدت من يوم عملي الشاق حتى وجدتها قد غيرت مكانها فإذا بها فوق مكتبي. أزحت لها الكتب كي لا أغفل فأغلق عليها سهوا كتابا فتموت. و منحتها مساحة معقولة من المكتب. وفي اليوم التالي عدت إلى المكان ذاته لأجدها فوق كرسي المكتب، و لم أرد إزعاجها، فانتظرت حتى ملت الجلوس فوق كرسي المكتب و أخذت تتمشى على مسنده ثم قفزت إلى كتاب رأس المال لكارل ماركس و بالقرب من اسمه المكتوب على الغلاف جلست دون حراك. فخشيت عليها من هذا الموقع الخطير و على ذكراه هو أيضا. لذلك مددت يدي برفق نحوها فإذا بها تجلس فوق سبابتي التي أكتب بها. و بقيت ديمقراطيا معها لا أريد إرغامها على ما لا تريده أو تراه مناسبا عقب تدخلي في موقعها على الكتاب لأسباب أيديولوجية. لذلك ألغيت مشروع كتابة رواية أو قصة حرصا على حسن سلوكياتي و ممارستي مع ذبابة صغيرة لا حول لها ولا قوة، لا حزب لها و لا تنظيم، لا عائلة لها و لا مصدر رزق. بل أنها ربما تعاني عند غيابي عن المنزل من مشاهد الموت المرعبة المتمثلة بعبوات الـDDT والغازات السامة التي جعلتها الحضارة في متناول أيدينا لإبادة الصراصير و البعوض و الذباب و الصمت و الأوكسجين و الحزن و أشياء جميلة لا حصر لها. لكنني في الشهور التالية بدأت ألاحظ ما طرأ عليها من تغيرات، فقد غدت كبيرة و أصبح لها طنين و شرعت تتجول بزهو في المنزل و دون حياء. فقلت لنفسي: أو ليس هذا حقها في النمو و التطور و الفرح والحبور؟ لكن هذا الاعتقاد سرعان ما طرأ عليه ما يزلزله من أساسه المكين. فقد عدت ذات يوم و تحديدا في صيف عام 1982 لأجدها بحجم عصفور يجلس دون وجل على مكتبي و تأكل السكر و تشرب الشاي و بعض الكعك الذي لم يرق لي أن أذوقه بعد ممارستي لعبث الشراء. و كأنما كنت على موعد مع هذه الطفرة، فالعالم أصبح يستخدم كل مخترعاته دون حكمة أو تعقل في كل شيء ، فلماذا لا تكون هنالك طفرة في نمو الذباب أو على الأقل في نمو ذبابة واحدة فقط تعاني مثلي من العزلة و الصمت و الضياع و الحزن ؟ غير أن كل معتقداتي و عقلانيتي وواقعيتي اهتزت اليوم عندما عدت إلى المنزل لأجدها ذبابة بحجم الذئب و بأنيابه و بتكشيرة لبؤة تجلس في مكاني و تقول: من سمح لك بالدخول؟
--------------------------------
تعليق
الأخ الأديب تيسير نظمي
قصتك هذه تختزل التاريخ القريب بصفحة واحدة
هكذا ابتلينا بالطاغوث يا أخي ، طفيلي سمحنا له بالوجود بيننا ، فأخذ يتسلل ليغتذي من دمائنا كالخفافيش ، فيكبر و يكبر حتى يتعملق ، ثم ليستولي من بعد على بيتنا و أرضنا و مائنا ، و يمزق صغارنا قبل كبارنا .
أما من حيث النص فقد كان سرده و رموزه في منتهى الجودة و يستطيع القارئ أن يدرك بسهولة أنه أمام كاتب رفيع الثقافة .
هذا و لي الشرف أني زينت موقعي بقصتك ( الجنرال ) في العدد الحالي على الرابط : http://www.freearabi.com/TheGeneral.htm ، و سأدرج قصتك ( بيت الذبابة ) في عدد فبراير القادم .
دمت و دام قلمك معطاءً .
نزار ب.الزين
------------------------------
تعليق
الأستاذ تيسير
جميلة و رائعة و جذابة, نهايتها واقع مرير نحياه
أشكرك على اتاحتك لنا الفرصة لقراءة انتاجك الفذ
دمت بخير
محمد رمضان
|